ثالث انتخابات منذ الثورة التونسية: تحولات بعناوين التنافس

09 سبتمبر 2019
الصورة
اعتمدت تونس المانظرات التلفزيونية للمرة الأولى(ياسين القائدي/الأناضول)
تختلف انتخابات العام الحالي في تونس جوهرياً عن معارك عامي 2011 و2014، فانتخابات عام 2011 أتت مباشرة بعد الثورة ودارت سجالاتها بين المنظومتين القديمة والجديدة ومعسكري الثورة والثورة المضادة، ونجحت أحزاب الثورة في اكتساح المجلس التأسيسي وانتخاب المنصف المرزوقي رئيساً للبلاد. وبعد تطورات السنوات التالية وما شهدته من أحداث، أبرزها اغتيال القياديين اليساريين، شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وعقد الحوار الوطني وتنحي الترويكا عن الحكومة (باستثناء المرزوقي)، دارت انتخابات 2014 أساساً حول محاور الهوية بكل تفصيلاتها، واحتفظت بجزء من صراع الثورة والثورة المضادة، فتمكن الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي من الفوز بالانتخابات.


غير أن انتخابات 2019، الرئاسية والتشريعية، تبدو مختلفة جداً، على الرغم من تأكيد كثر بأن الصراع الهوياتي سيبقى حاضراً في الخلفية، خصوصاً أن حركة النهضة قدّمت مرشحاً عنها، وفي حال تمكنه من بلوغ الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية، فإن الصراع الهوياتي قد يعود بقوة. لكن للمرزوقي رأياً آخر، إذ اعتبر في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن تونس بصدد مراكمة التجارب لأن الديمقراطية هي مسار طويل وتعلّم مستمر، وتجربة تكشف خفاياها وتطوراتها، كما أن الشعب يتعلم مما يحدث حوله. وأضاف أن مسائل الهوية والحرية وصراع الثورة والثورة المضادة قد تم تجاوزها، والعنوانان الأبرزان في الانتخابات الحالية يُفترض أن يكونا حول التفاوت الطبقي والجهوي، وسوء الإدارة واستشراء الفساد وسيطرة الأقلية على الثروات. ورأى أن هناك ضبابية أمام الناخب التونسي، لأن الجميع يتحدث عن مقاومة الفساد بمن فيهم من جاء بهم الفساد وحرب الملفات، والأصوات الصادقة قد تبدو ضعيفة في هذه الأجواء، التي تتميز بانحياز إعلامي واضح وارتهان قنوات تلفزيونية بأكملها لصالح مرشح ما، بل إن هناك من يتحدث الآن عن قضايا بيئية، بينما كنت أول من نبّه إليها، وهؤلاء ليسوا لصوص أموال فقط بل لصوص أفكار أيضاً.

بدوره، اعتبر المحلل السياسي عبد اللطيف الحنّاشي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنّ التنافس انتقل من الصراع على الهويات إلى صراع حول مسائل أخرى، لا علاقة لها بمهام رئيس الجمهورية، وفق ما ينصّ عليها الدستور. فقد انتقل التنافس في 2019 بين الأشخاص، وكأن هناك صراعاً بين مرشح وآخرين، ففي السابق كان التركيز في الانتخابات على التنافس ضد النهضة والآن يبدو التركيز على رئيس الحكومة يوسف الشاهد وكأنه في واد والبقية في واد آخر، مشيراً إلى أنّ صراع الهويات الذي ظهر في 2014 غائب تقريباً.

أما القيادي في التيار الديمقراطي، غازي الشواشي، فذكر في حديثٍ لـ"العربي الجديد" أنّ التنافس في الانتخابات الرئاسية انتقل من تنافس بين الأحزاب والشخصيات، إلى تنافس قائم على الخطاب الشعبوي، الذي يتضمن الكثير من الأوهام والأكاذيب لاستمالة الناخبين والحصول على أصواتهم، معتبراً أن الكثير من المرشحين يركزون على صلاحيات غير مشمولة ضمن صلاحيات رئيس الجمهورية. وقال إن التنافس حول البرامج جعل البعض يتحدث عن برامج واهية وعن تطوير نسب النمو وتقليص راتب رئيس الجمهورية، بعيداً عن السياسة الخارجية والأمن الداخلي والخارجي لتونس والمبادرة التشريعية والأزمة السياسية في البلاد، فضلاً عن تقريب وجهات النظر وبلورة برنامج مستقبلي لتونس يمكّن الشعب من اختيار الأفضل ويكون مبنياً على أسس سليمة. وأوضح الشواشي أنّ بعض المرشحين المستقلين ممن لا أحزاب وراءهم، يعتبرون أنهم قادرون على تغيير النظام السياسي ربما لأنهم يجهلون الدستور وصلاحيات الرئيس أو أنهم يريدون إبلاغ الناس ما يرغبون في سماعه.



ومع دخول الحملات الانتخابية أسبوعها الثاني والأخير قبل الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الأحد المقبل، توقع مراقبون احتدام الصراع بين المتنافسين، خصوصاً أمام ما شهدته الأيام الماضية من تبادل للاتهامات التي بلغت ذروتها على مواقع التواصل الاجتماعي وفي بعض القنوات التلفزيونية، مع توجيه المرشح سليم الرياحي، الموجود في فرنسا هرباً من ملاحقات قضائية في تونس، اتهامات خطيرة لرئيس الحكومة يوسف الشاهد، بتدخله في القضاء وتلفيق ملفات ضد منافسيه وخيانته السبسي، وهي اتهامات لم يرد عليها الشاهد إلى حدّ الآن ربما لتفادي الانحراف بحملته الانتخابية والسقوط في فخ الردّ على الاتهامات العديدة التي وجهها إليه أكثر من منافس.

ويتضح بالفعل أن هذه الانتخابات تبدو مختلفة في أشكالها ومضامينها، إذ شهدت الشوارع التونسية منافسة شديدة بين المرشحين عبدالكريم الزبيدي ويوسف الشاهد، وسيطرت صورهما وخطاباتهما الانتخابية على أغلب اللوحات الإعلانية خصوصاً في العاصمة وضواحيها، على الرغم من وجود مرشحين آخرين ولكن بحضور أقل. وهو ما كشف صراعاً خفياً في الكواليس، بين الإدارات الانتخابية لكلا المرشحين، وتبيّن أيضاً أن هناك اختلافات واضحة في الاستراتيجيات الاتصالية للمرشحين، بحسب الإمكانيات المادية المتوفرة لكل منهم. وجعلت هذه الأمور من الانتخابات قائمة على الشخصيات أكثر منها حول البرامج والقدرات السياسية والفكرية للمرشحين، ما ضاعف المخاوف حول طبيعة الشخصية التي يمكن أن تفوز في الانتخابات وتصل إلى قصر قرطاج، مع ما يحمله ذلك من تأثير على الاستقرار السياسي في السنوات المقبلة، ولكنها في المقابل، تقترب أيضاً من طبيعة التنافس الانتخابي الموجود في كل الدول الديمقراطية الغربية، التي تجعل من المنافسة الانتخابية صراعاً حول رمزيات الصورة والأساليب الشكلية أكثر منها حول البرامج والمضامين. كما جعلت كل هذه الأمور من الانتخابات شيّقة وممتعة، مع احتفاظها بكل أسرارها إلى النهاية من دون معرفة من سيفوز، ما يجعل من الانتخابات التونسية حالة فريدة في العالم العربي.

وشهدت تونس، بدءاً من يوم السبت الماضي، تجربة جديدة تمثلت في المناظرات بين المرشحين، ما عزز تنافس الصورة والمنظر والأسلوب، الأمر الذي سيُمكّن الناخبين من إجراء مقارنة مباشرة بين المتنافسين، وتكريس سلطة الإعلام في تحديد مسارات المرشحين وتوجهات المشاهدين. وسيبرز هذا الأمر بشكل أكثر حدة إذا أقيمت المناظرة في الدور الثاني بين مرشحين اثنين، مع ما تحمله التجارب المقارنة من أهمية بالغة للمناظرات التلفزيونية. ويذكر التونسيون في انتخابات 2014 كيف أصرّ المرزوقي على إجراء مناظرة مع منافسه السبسي الذي رفض، كي لا يمكّن منافسه من تدارك بعض النقاط في تأخره والدخول في تجربة غير محسوبة العواقب كان في غنى عنها.