يوم تونسي طويل: انتخابات رئاسية تكرس الصندوق حَكَماً

16 سبتمبر 2019
الصورة
أشارت منظمات لمحاولات للتأثير على الناخبين(أنيس ميلي/ فرانس برس)
+ الخط -
للمرة الرابعة على التوالي بعد الثورة، خرج التونسيون أمس الأحد للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية المبكرة، في موعد حمل اختلافات كبيرة عما سبقه في أعوام 2011 و2014 و2018 على المستوى السياسي، غير أنه أكّد مرة أخرى أن تونس قطعت نهائياً مع الماضي، وأسّست لمبدأ الاحتكام إلى الصندوق في حسم التنافس الحزبي والسياسي. كما شكّل استحقاق أمس إجماعاً وطنياً على دفع البلاد نهائياً إلى إرساء التقاليد الديمقراطية ودخول مرحلة جديدة تقوم على تحقيق أحلام الناس والالتفات إلى قضاياهم الأولوية، الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما ميّز الحملات الانتخابية للمترشحين الذين ركزوا على المسألة التنموية بشكل كبير هذه المرة.

ولكن اختبار الديمقراطية الانتخابية يتعلّق دائماً بنسبة الإقبال على مراكز الاقتراع والمشاركة الفعلية في العملية الانتخابية. غير أنّ نصف اليوم الانتخابي أمس أثار مخاوف كبيرة من عزوف عن المشاركة عرفته كل الانتخابات الأخيرة، إذ لم تتجاوز نسبة الاقتراع أكثر من 12 في المائة، قبل أن ترتفع إلى 27 في المائة في حدود الساعة الثالثة بعد الظهر بالتوقيت المحلي، لتتجاوز الـ45 في المائة في نتيجة نهائية أُعلن عنها مساء.

وفي السياق، قال الرئيس التونسي المؤقت محمد الناصر، إنّ "التونسيين اليوم هم أصحاب القرار، ولهم الكلمة الفصل، إذ سيختارون من سيرأسهم ويسيّر البلاد ويواصل المسيرة ويحسّن وضعهم لتحقيق تقدم وازدهار لبلادهم". وجدد الناصر دعوة التونسيين للتوجه إلى صناديق الاقتراع والقيام بواجباتهم الانتخابية "من أجل تجسيد سيادتهم باختيار من يرونه مناسباً".
وفي الإطار ذاته، أدلى الأمين العام لـ"الاتحاد العام التونسي للشغل" نور الدين الطبوبي بصوته في محافظة بن عروس بشمال البلاد. وقال عقب ذلك، في حديث مع "العربي الجديد" إنه صوّت "لمن يتميز بالصدق والوفاء لشهداء معركة التحرر الوطني ولشهداء الثورة"، وللرجل الذي رآه قادراً على تجميع التونسيين حول الدولة ويحمل مشروعاً وطنياً ينبذ الجهوية والتفرقة. وأضاف أنّ "تونس في منعرج من أجل بناء الوطن وهناك فرصة للتونسيين للتعبير عن إرادتهم باستقلالية".

من جهته، اعتبر رئيس الحكومة والمرشح للانتخابات الرئاسية، يوسف الشاهد، في تصريح إثر إدلائه بصوته، أنّ "تونس تعيش يوماً مهماً في تاريخها، وعلى التونسيين أن يقرروا مصيرهم وأن يكونوا فخورين بما أنجزوا، وبنظرة العالم إليهم، لنجاحهم في تنظيم انتخابات رئاسية في كنف الديمقراطية والتنافس السياسي بين جميع الأطراف". وأشار إلى أنّ مراقبين دوليين من منظمات عريقة "أشادوا بسلاسة العملية الانتخابية وشفافيتها".


أمّا رئيس حركة "النهضة" راشد الغنوشي، فأكد في تصريح لـ"العربي الجديد" أنّ "على التونسيين انتخاب الأقدر والأنظف والأفضل للبلاد، وعليهم ممارسة مواطنتهم والقيام بواجبهم"، مضيفاً أنّ عليهم كذلك "أن يفخروا بثورتهم ويحافظوا على ما أنجزت بلادهم وعلى هامش الحرية التي يعيشونها". ولفت إلى أنّ هذا الاستحقاق الانتخابي مختلف عن بقية الاستحقاقات التي عرفتها البلاد منذ الثورة، لجهة عدد المسجلين والذي يعتبر الأكبر، ورأى أنّه في هذا اليوم "تعرف الديمقراطية أبناءها، وتونس تخطو خطوات شاسعة للأمام، وتتخرّج في شهادة الديمقراطية".

وعلى الرغم من أنّ حوالي مليون ومئتي ألف ناخب جديد انضموا إلى قائمة المسجلين، أغلبهم من الشباب، إلا أنّ هذه الفئة بالذات سجّل غيابها عن مراكز الاقتراع، خصوصاً مع انطلاق عملية التصويت صباحاً، وكانت فئة المسنين الأكثر حضوراً، وهي الفئة التقليدية المعروفة بمشاركتها في الاستحقاقات الانتخابية.

وعبّر مواطنون تحدثوا لـ"العربي الجديد" عن استيائهم من غياب الشباب عن طوابير المقترعين. وبينما احتشد كبار السن، نساءً ورجالاً، منذ الدقائق الأولى لفتح مراكز الاقتراع وحتى قبل ذلك، للإدلاء بأصواتهم، لم يسجّل الشباب حضورهم بشكل عام. ومن بين المصوتين الشباب، قالت أميرة التي اقترعت في محافظة بن عروس إنّ "على الشباب أن يتوجهوا إلى مكاتب الاقتراع وألا يتصرفوا وكأن الأمر لا يعنيهم".
أمّا الحاج محمد الذي كان أول المصوتين في مكتب الاقتراع الذي يتبع له، فقد اعتبر في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ المسألة "تعبير عن الوطنية، وعن الشعور بالانتماء للوطن"، مضيفاً أنّ الانتخابات حق وواجب. ودعا إلى الانتباه عند التصويت ومراعاة حاجة البلاد لرجل يحفظ حرمتها ويصون مكاسب استقلالها.

وسجّلت عملية الانتخاب أمس عدداً من المخالفات المختلفة رصدها مراقبو المجتمع المدني الذين نزلوا بكل ثقلهم لمراقبة الانتخابات في المناطق كافة، ووصلت أعدادهم لعشرات الآلاف، بين تونسيين وأجانب، تحت مراقبة أمنية كبيرة من قبل أكثر من مائة ألف عسكري وشرطي. وأشارت هذه المنظمات إلى وجود محاولات للتأثير على الناخبين في محيط مراكز الاقتراع، وحتى تقديم بعض الأموال أحياناً واستمرار حملات بعض المرشحين.

وفي السياق، أعلنت جمعية "شباب بلا حدود" لمراقبة الانتخابات، في تصريح لها، عن تسجيل مخالفات وصفتها بـ"الجسيمة" منذ بداية عملية الاقتراع، منها تسجيل محاولات تأثير على إرادة الناخبين. كما أشارت إلى أنها رصدت مواصلة تعليق لافتات انتخابية رئاسية في محيط أغلب مراكز الاقتراع التي تمّت مراقبتها، وتسجيل عنف لفظي بين الناخبين في الصف أمام المراكز.

من جهته، قال الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، ورئيس بعثة الجامعة للانتخابات التونسية، خليل إبراهيم الذوادي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إنه بعد زيارة العديد من مراكز الاقتراع، يمكن القول إنّ الإقبال كان جيداً والتسهيلات التي منحت من قبل الهيئة العليا للانتخابات لتسهيل دور المراقبين والمجتمع المدني كان لها تأثير بارز في حسن سير العمل. وأضاف أنه منذ الساعة الثامنة صباحاً كانت الطوابير من عموم التونسيين موجودة، وسط حضور المراقبين والمجتمع المدني وأعضاء الهيئة، معتبراً أن كل ذلك يعدّ مؤشراً على وجود الرغبة الكبيرة في تنظيم الانتخابات وإنجاحها، وحب التونسيين لبلدهم وإدارة شؤونه واستقرار الوطن".

إلى ذلك، أكّد الكاتب العام لـ"ائتلاف أوفياء للديمقراطية ونزاهة الانتخابات" محمد رضا البقلوطي، أنّ "المجتمع المدني يلعب دوراً كبيراً في هذه المناسبات"، مضيفاً في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "نسق المشاركة مقبول وكل ما يهم هو الاقتراع، إذ لا بدّ من أن يكون التونسيون يداً واحدة للوصول إلى الهدف، وهي مناسبة لإعطاء الأصوات لمن يستحق".
وتابع البقلوطي أنّ "الغاية أن تتم الانتخابات في كنف الشفافية والحرية"، مشيراً إلى أنّه "على الرغم من بعض الصعوبات والنقائص، كالتأخير في فتح بعض المراكز، إلا أنه سرعان ما تم تدارك الأمر وهذا هو الأهم". ولفت إلى أنّ 99 في المائة من المراكز فتحت في التوقيت المطلوب.

المساهمون