تيريزا ماي... المقامرة التي أنهى "بريكست" رئاستها لحكومة بريطانيا

لندن
إياد حميد
24 مايو 2019

أعلنت تيريزا ماي، اليوم الجمعة، استقالتها من رئاسة الحكومة البريطانية، بعد أقل من ثلاث سنوات في "10 داوننغ ستريت".

وكما كان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست"، مفتاح وصولها إلى رئاسة الحكومة، أنهى كذلك مسيرتها، بعد ولاية كان عدم الاستقرار عنوانها الأساسي.

وأصبحت ماي ثاني رئيس وزراء بريطاني يستقيل على خلفية استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي صيف عام 2016، بعدما خلفت رئيس الوزراء المستقيل ديفيد كاميرون في رئاسة الحزب ورئاسة الوزراء في يوليو/ تموز من العام ذاته.

وعلى الرغم من أنّها كانت قد رفضت مراراً الإعلان عن انتخابات مبكرة، فإنّها انتظرت حتى تقدّمت بطلب الانسحاب رسمياً من الاتحاد الأوروبي نهاية مارس/ آذار 2017، لتعلن بعد ثلاثة أسابيع عن نيتها تنظيم انتخابات عامة في يونيو/ حزيران 2017.

وكانت تلك أولى مقامرات ماي التي وضعتها على طريق الاستقالة، حيث أسفرت الانتخابات عن خسارة حزب المحافظين للأغلبية العددية في البرلمان البريطاني. كما عززت الانتخابات من أوراق متشددي "بريكست" في حزبها، والذين نجحوا في فرض هيمنتهم على خطط ماي، وهي التي سعت دائماً لوضع وحدة حزبها أولاً.

وارتكبت ماي خطأ آخر عندما أعلنت تحالفها مع الحزب "الاتحادي الديمقراطي" الأيرلندي، الذي وفّر لها بنوابه العشرة الأغلبية العددية في البرلمان، غير أنّ الحزب كان الحجر الأساس في فشل اتفاق "بريكست" الذي أبرمته مع الاتحاد الأوروبي نهاية عام 2018، لرفضه الفقرات الخاصة بعلاقة أيرلندا الشمالية بالجمهورية الأيرلندية.

 ماي بمؤتمر حزب المحافظين، 3 أكتوبر/تشرين الأول 2018 (بين ستانسول/فرانس برس)


ومنذ ذلك الحين، دخلت حكومة ماي الائتلافية واحدة من أكثر المراحل السياسية اضطراباً في تاريخ بريطانيا الحديث، حاولت خلالها التزام خط وسط يبقي على أغلبيتها البرلمانية البسيطة، بهدف التوصل إلى اتفاق بشأن "بريكست".

وكانت المحطة الفارقة التالية في إعلانها عن الخطوط العريضة التي ستتفاوض بريطانيا على أساسها مع الكتلة الأوروبية، في ما أصبح يعرف باسم خطة "تشيكرز" الصادرة في يوليو/ تموز 2018.

وجاءت الحاجة حينها لمثل هذا الإعلان لسعي ماي إلى تأجيل الإجابة عن الأسئلة الخلافية كي تحافظ على ائتلافها، مع بقاء أقل من عام على موعد "بريكست" ومن دون تحقيق تقدم يذكر.

وبعد أيام من الإعلان عن الاتفاق، أعلن اثنان من كبار متشددي "بريكست" في حكومتها، وزير الخارجية بوريس جونسون ووزير "بريكست" ديفيد ديفيس، الاستقالة من الحكومة، إضافة إلى عدد آخر من وزراء الدولة، احتجاجاً على نقاط في خطة "تشيكرز" اعتبروها بعيدة عن "بريكست" الذي فوضهم به استفتاء 2016.

وتبع ذلك فراق مستمر بين ماي ومتشددي "بريكست" الذين تعزّزت صفوفهم باستقالات متتابعة من حكومتها، وليعززوا بذلك من صفوف مجموعة الأبحاث الأوروبية، والتي أصبحت تشكّل حزباً مصغراً داخل حزب المحافظين.

ماي تحضر أحد خطاباتها (ستيفان روسو/getty)


ومع حلول سبتمبر/ أيلول 2018، دخلت مفاوضات "بريكست" مأزقاً حقيقياً، عندما رفض الاتحاد الأوروبي أيضاً خطة "تشيكرز"، لتعلن بعدها ماي أنّ المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود.

وعلى الرغم من تمكّنها مع نهاية العام من الوصول إلى اتفاق خاص بـ"بريكست"، أدى تجنّبها طرحه أمام البرلمان منتصف ديسمبر/ كانون الأول، إلى تصويت على الثقة في رئاسة ماي لحزب المحافظين، قاده متشددو "بريكست"، غير أنّ ماي تمكّنت من تجاوزه بدعم 200 من نواب حزبها الـ317.

ومع عودة البرلمان من عطلته الشتوية، رفض المشرعون البريطانيون اتفاقها لـ"بريكست"، في أكبر هزيمة تصيب حكومة بريطانية في التاريخ الحديث.

وسرعان ما تقدّمت المعارضة بطلب سحب الثقة من حكومتها في اليوم التالي، نجت منه بفارق ضئيل. إلا أنّها فشلت في استيعاب الواقع. ولإصرارها على إدخال تعديلات بسيطة على الاتفاق، عادت ماي لتلقى هزيمة أخرى أمام البرلمان في 12 مارس/ آذار، حيث رفض المشرعون الاتفاق للمرة الثانية.

وبدأت ماي بعد ذلك في تقديم التنازلات، بعدما وجدت الطريق أمامها مسدوداً، ولكن من دون أن تصل إلى قناعة بضرورة الاستقالة.

فبينما كانت استراتيجيتها تعتمد على تخيير النواب بين اتفاقها أو هاوية "بريكست" من دون اتفاق، اضطرت بعد فشلها مرتين في تمرير اتفاقها أمام البرلمان إلى منح المشرعين تصويتاً على "بريكست" من دون اتفاق، والذي رفضه النواب بأغلبية كبيرة، ليتبعه تصويت على تأجيل موعد "بريكست".


وظنّت ماي أنّ بإمكانها إجبار متشددي "بريكست" على العدول عن معارضتهم لاتفاقها، بالقول إنّ الخيار أصبح بين اتفاقها والبقاء في الاتحاد الأوروبي، بل إنّها عرضت عليهم الاستقالة من منصبها مقابل دعمهم لاتفاقها، بحيث تسمح لزعامة أخرى بقيادة بريطانيا في المرحلة التالية بعد "بريكست".

إلا أنّ مقامرتها هذه أثبتت فشلها أيضاً، عندما وجّه البرلمان الضربة الثالثة القاضية لاتفاقها في اليوم الذي كان يفترض أن تخرج فيه بريطانيا من الاتحاد الأوروبي 29 مارس/ آذار.

ومع إدراك ماي استحالة جسر الهوة بينها وبين متشددي "بريكست" في حزبها "المحافظين"، دخلت في مفاوضات دامت ستة أسابيع مع حزب "العمال" المعارض، أملت خلالها أن تقنع جيريمي كوربن بإمكانية التوصل إلى تسوية تضمن الأغلبية العددية لتمرير اتفاقها في البرلمان البريطاني.

مفاوضات ماي وكوربن (دان كيتوود/getty) 


ولكن ماي فشلت مرة أخرى في تقديم تنازلات أساسية طالب بها "العمال"، كان على رأسها الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي.

وتزامناً مع ذلك، كثّف معارضو ماي في حزبها من مطالبهم باستقالتها من منصبها، نظراً لانسداد أفق "بريكست"، وتأجيل موعده مرتين، والتراجع الشديد في تأييد حزب المحافظين.

كما أنّ تنظيم انتخابات البرلمان الأوروبي في 23 مايو/أيار، شكّل حرجاً كبيراً لحزب المحافظين الذي فضّل عدم تنظيم حملة انتخابية وطنية، نظراً لتعهده مراراً بالخروج من الاتحاد الأوروبي قبل موعد الانتخابات.

بل إنّ حزب المحافظين بقيادة ماي حصد المركز الخامس في الحملة الانتخابية، بينما صوّتت أغلبية قاعدته الشعبية لصالح حزب "بريكست" حديث التشكيل.

ومما زاد الطين بلة رفض ماي العدول عن خطها، والإعلان عن نيتها طرح اتفاق "بريكست" للمرة الرابعة على البرلمان بداية يونيو/ حزيران، مضيفة إليه حزمة من الوعود التي شملت التصويت على استفتاء ثان، واتحاداً جمركياً مؤقتاً، ومنح البرلمان سلطة أكبر في تحديد المفاوضات المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي، غير أنّ هذه الوعود لم تلق رداً إيجابياً من أي من ألوان الطيف السياسي البريطاني.

من تظاهرة مناهضة لـ"بريكست" (إيزابيل إنفانتس/فرانس برس) 


ودفعت حالة الحزب الحاكم هذه بلجنته المركزية إلى الرضوخ للمعارضة الداخلية لماي، وتوجيه تحذير إلى رئيسة الوزراء بإمكانية تعديل قوانين الحزب بما يسمح بتصويت على الثقة في زعامتها، ما لم تعلن موعد استقالتها يوم الجمعة 24 مايو/ أيار.

وتمنح القوانين الداخلية للمحافظين الحصانة لزعيم الحزب من التصويت على الثقة مرتين خلال العام الواحد.

وكانت ماي (62 عاماً)، قد تولّت وزارة الداخلية البريطانية في حكومات المحافظين منذ عام 2010، وحتى تسلّمها رئاسة الوزراء عام 2016.

وتعهدت خلال تولّيها وزارة الداخلية بخفض أعداد المهاجرين إلى بريطانيا دون عتبة 100 ألف شخص سنوياً، في تطبيق للبرنامج الانتخابي الذي وصل من خلاله حزب المحافظين إلى "داوننغ ستريت".

تيريزا ماي وزوجها فيليب (ماركو بيرتوريلو/فرانس برس) 


كما أدخلت ماي تعديلات على قانون الهجرة عام 2014، سهّلت على وزير الداخلية سحب الجنسية ممن يعدون خطراً على "المصلحة العامة"، وفتح الباب أمام ارتفاع كبير في السنوات التالية لسحب الجنسية البريطانية.

وشهدت ولاية ماي في وزارة الداخلية تطبيق سياسات "البيئة المعادية" والتي استهدفت المهاجرين "غير القانونيين"، وشملت إلزام أرباب الأعمال وأصحاب المنازل والخدمات الصحية والمنظمات الخيرية والمصارف بتفقد هوية عملائهم قانوناً ورفض تقديم الخدمات لمن لا يستطيع إبراز إقامة قانونية في بريطانيا.

ذات صلة

الصورة

سياسة

يسود ترقب في الصومال لمعرفة من سيخلف رئيس الوزراء المقال حسن علي خيري في ظل استمرار المواقف المحلية والدولية المنددة بالخطوة، ما استدعى موقفاً رسمياً رافضاً لـ"المساس بسيادة واستقلال الصومال".
الصورة
أسواق لندن/ فرانس برس

أخبار

بدأ الاقتصاد البريطاني أول خطوة في طريق التعافي الطويل من أزمة كوفيد-19 في مايو أيار إذ بدأ النشاط ينتعش بعد بدء تخفيف إجراءات العزل العام لكن معدل التعافي أقل من توقعات خبراء الاقتصاد.
الصورة
احتجاجات مالي-ميشيل كاتاني/فرانس برس

أخبار

أعرب ممثلو الاتحاد الأفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (الإيكواس) والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في مالي، عن قلقهم من الوضع هناك، داعين الجميع إلى ضبط النفس لمواجهة الاضطرابات في باماكو.
الصورة
سياسة/ميركل/(كريستيان ماركارث/Getty)

سياسة

مع تسلمها الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي مطلع الشهر الحالي، يبدو أن برلين تنوي السير بخطى سريعة لتحقيق الإنجازات والتوافقات على الملفات العالقة بين دول التكتل، بينها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.