تونس في وجه الثورة المضادة

02 اغسطس 2020
الصورة

نجت تونس، مبدئياً، من المحاولة الانقلابية التي تقودها أذرع إماراتية لتدمير التجربة الديمقراطية في البلاد. الوعي لدى بعض السياسيين والأحزاب التونسية لمسعى إدخال البلد في قائمة الثورات المضادة وقف حائلا أمام تصويت حجب الثقة عن رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، الذي قادته زعيمة الحزب الدستوري الحر، عبير موسى، وما كان يمكن أن يجر إليه البلاد من خراب مشابه للأوضاع في مصر واليمن وليبيا، وخصوصا ما كان سينتج عنه من إخراج للإسلاميين من المشهد السياسي، وهو هدف إماراتي - سعودي لا يخجل الطرفان من الحديث عنه علناً.

سقط التصويت في مرحلة أولى، لكن المحاولات لن تنتهي، وستخرج موسى ومن يدور في فلكها من الأحزاب التي تعتاش على معونات قادة الثورة المضادة، بمحاولاتٍ جديدةٍ لتدمير ما حققته الثورة التونسية من إنجازات من الداخل، وهو أيضا ما لا تتوانى هذه الأطراف عن المجاهرة به.

الثورة التونسية، وما تحمله من نسبةٍ لا بأس بها من النجاح بين تجارب الربيع العربي، ستكون في الشهور والسنوات المقبلة هدفا لقادة الثورة المضادة، بعدما نجحت محاولات التخريب في الدول التي شهدت احتجاجاتٍ أسقطت الأنظمة. أدوات داخلية كثيرة، منها حزب موسى وغيره، تتشارك مع الدول المنقلبة على الثورات الأهداف نفسها، ولا سيما أنها تحمل ثارات شخصية ضد الثورة التونسية، باعتبارها منبثقةً بالأساس عن التجمع الدستوري الديمقراطي الذي كان بمثابة الحزب الحاكم في عهد زين العابدين بن علي.

ولكنّ الثارات ليست وحدها ما تجعل حزب موسى قادراً على رفع الصوت في وجه التجربة الديمقراطية التونسية، فهناك أطراف أخرى تعمل، عن قصد أو غير قصد، وفق الأجندة نفسها، غير مكترثةٍ بالسوابق المحيطة التي دمرت آمال بناء دول ديمقراطية تدريجياً. اليساريون بشكل أساس، وهم كثر من تيارات مختلفة في تونس، وعلى الرغم من تجربتهم في معارضة النظام السابق، وسعيهم إلى بناء نظام ديمقراطي، إلا أنهم يعملون اليوم على هدم هذا النظام على خلفية المعارضة العمياء لوجود إسلاميين في السلطة، غافلين عن أن مثل هذا الهدم الذي شهدته مصر قبل سبع سنوات كان أساساً في إعادة الوضع في مصر إلى مرحلة استبداد تفوق بأضعاف ما كان عليه الأمر في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك. هذا لا يعني أن تجربة حكم الإسلاميين، أو وجودهم في السلطة، سواء في مصر أو تونس، منزّهة عن الأخطاء، والتي كانت فادحة في بعض الأحيان، إلا أن مواجهة هذه الأخطاء، والتي تأتي مع كل تجربة حكم، لا تعني هدم الهيكل على من فيه، وهو الأمر الذي لم تستوعبه كل أحزاب المعارضة في العالم العربي، وخصوصا في الدول التي شهدت ثورات شعبية. فالإصلاح لا يعني الانقلاب، واستسهال لعبة الشارع باعتباره الخيار الوحيد يؤدي إلى نتائج لا تحمد عقباها، وللتوانسة في مصر نموذجٌ.

قد تكون التجربة الديمقراطية في مصر لم تنضج بشكل كاف قبل 30 يونيو والانقلاب، غير أن وضعها في تونس مختلف، والاحتكام إلى الصندوق الانتخابي، مع عمل حزبي حقيقي على الأرض، بدل العمل الكيدي، من شأنه تحقيق النتائج المرجوة، وتأسيس لتناوب على السلطة، وهو ما كان من المفترض أن تعيه هذه الأحزاب، في حال كانت غايتها فعلياً تحقيق الانتقال الديمقراطي.

لا يمكن أيضاً إغفال دور الرئيس قيس سعيّد في هذه المعمعة التونسية، لكنه ليس أساسيا بالدرجة نفسها، خصوصا أنه يأتي من خلفيةٍ شعبويةٍ غير حزبيةٍ وغير قائمة على أي أسس أيديولوجية. لكنه مع ذلك، يشكل أيضا، سواء عن قصد أو غير قصد، أحد تروس هدم التجربة التونسية، والتي لن تكفّ عن الدوران إلا بوعي حقيقي شامل لمخاطر الدمار التي ستقود إليه.