تونس.. الحزبي والانتخابي والحكومي

17 ديسمبر 2018
الصورة
الوضع السياسي في تونس متقلبٌ وهش، ويمكن أن يؤدي إلى مآلاتٍ متعدّدةٍ، تتطرق إليها هذه المقالة عبر ثلاثة محاور: حزبي وانتخابي وحكومي. وتتشابك هذه المسارات وتلتقي حول نقطة مشتركة، هي الصراع الأزلي على السلطة والهيمنة على مراكز النفوذ والقرار.
المحور الحزبي: تتشابك فيه المصالح والتحالفات الهشة، القائمة إما على حسابات انتخابية ظرفية، أو على تحالفات برلمانية آنية ترمي إلى تمرير قوانين أو ميزانيات أو تشكيل هياكل دستورية أو تجديد الثقة في حكومات، من دون سياسات واضحة الملامح. ولا ترتقي هذه التحالفات إلى مستوى الكيانات أو التكتلات الحزبية القائمة على برامج ورؤى وتصورات مشتركة. وبالتالي نجدها قابلة أيضا للانفجار، وإعادة التشكل في أي وقت، وفقا لقانون المصالح، وللمتغيرات على الساحة السياسية. ولا أدل على ذلك من هذه الكتلة الهجينة التي تسمى الائتلاف الوطني، والتي نشأت من شتات كتل برلمانية أخرى، وتسعى إلى تقديم دعمٍ مشروطٍ مثير للجدل لرئيس الحكومة، يوسف الشاهد. وتهدف أيضا إلى التأثير على العمل البرلماني ورسم استراتيجيات مشتركة، لحوض غمار الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة.
وتستوجب هذه الكتل البرلمانية الظرفية والهجينة وقفة تأمل لما تطرحه من ظاهرةٍ، عانى منها المشهد الحزبي في تونس منذ الثورة، من دون أن تحدث لها ضوابط أخلاقية وتشريعية، أي ظاهرة السياحة الحزبية التي أفسدت المشهد السياسي وشوهته، وساهمت في جعله مشهدا متقلبا مضطربا ومفتوحا على كل الاحتمالات. كما أنها تطرح مأزقا أخلاقيا، ساهم في تخفيض منسوب الثقة في الطبقة السياسية، ووضعها في قفص الاتهام، لغياب المبادئ والقيم وطغيان المصالح. خانت هذه الفئة من الطبقة السياسية ناخبيها، وتنكّرت لهم، لأنها غيرت الانتماء الحزبي الذي تم على أساسه انتخابها، وانتهكت العقد الأخلاقي والسياسي الذي يربطها بناخبيها.
ومهما قدمت من حجج وبراهين ومبرّرات، فإنها تبقى دون تطلعات الناخبين وانتظاراتهم من نخبة سياسية اصطفاها على أساس برامج وتعهدات سياسية وانتماءات إيديولوجية وحزبية.
المحور الانتخابي: محطتان انتخابيتان مفصليتان تنتظران الناخبين والطبقة السياسية. أهمية الانتخابات التشريعية والرئاسية تكمن في الإعداد لإعادة تشكل الخريطة السياسية والحزبية وموازين القوى، إثر اختبار للحكم ولتنفيذ البرامج دام أربع سنوات، وأفرز حصيلةً أقل ما يقال عنها إنها ضعيفة ومخيبة للآمال. وبالتالي، فإن احتمال تغير الطبقة الحاكمة يبقى واردا إن وجدت بدائل حقيقية لها من المصداقية والكفاءة والقدرة على الالتحام والالتفاف بالشعب ونيل ثقته. والمعروف عادة أن المحطات الانتخابية هي مناسبةٌ للمساءلة والمحاسبة والمعاقبة للأحزاب والأطياف السياسية التي أخلّت بالتزاماتها ووعودها. وهذا ما يفسّر فك الارتباط بين حزبي النهضة ونداء تونس، لأن كلا منهما يود أن يتملص من الحصيلة السلبية لفترة الحكم التي مضت، ويسعى إلى تحميل وزر المسؤولية للطرف الآخر، ويرجح تبعا لذلك أن يطفو على السطح من جديد ذاك الصراع الانتخابي القديم بين الحداثي والرجعي، وبين من يسعى إلى تحقيق السلم والاستقرار ومن يتخفّى وراء بؤر التوتر والإرهاب. ولا أدلّ على ذلك من المأزق الذي تعيشه حركة النهضة، وهو مأزقٌ ساهمت في تأجيجه وترويجه رئاسة الجمهورية، ومن ورائها حركة نداء تونس، بعدما تسترت عليه مطولا، وأحاطته بكثيرٍ من التعتيم والتظليل.
اختباران أساسيان تجد حركة النهضة نفسها ملزمة باجتيازهما بأخف الأضرار وأقل التكاليف:
مشروع قانون المساواة في الإرث يلاقي معارضة شديدة في صفوف قياداتها وقواعدها ومناصريها، ويفرض عليها أن تتجند للم الصفوف، وجمع النواب والكتل صلب البرلمان لمؤازرتها في التصويت ضد مشروع القانون. ويبدو الأمر صعب المنال، في ظل وجود أغلبية حداثية تقدمية مناصرة لتمرير مشروع القانون في صورة عرضه على مصادقة مجلس نواب الشعب، وهي لا تريد تجييش الشارع، وتخشى خوض هذا الرهان الذي قد يعود عليها بالوبال، ويؤدّي إلى اتهامها بتوتير الأجواء، والمساس بالأمن والنظام العام. وهي تخشى أيضا من تصنيفها داخليا وخارجيا ضمن القوى الظلامية والرجعية، لا سيما وأنها تستعد لخوض غمار محطات انتخابية حاسمة ومصيرية في تاريخ البلاد.
يتعلق الاختبار الثاني بالأمن الموازي والغرفة السوداء في وزارة الداخلية، ويعيد إلى الأذهان منهجا سياسيا وحزبيا للتوقي من غدر الزمن، ومن التقلبات السياسية والأمنية الممكنة، انتهجه حزبٌ ذاقت قياداته الويلات، وتعرضت للتشريد والاضطهاد والتعذيب. وأصبحت تبعا لذلك تضع صلب أوكد أولوياتها التحسّب من كل الطوارئ والهزات التي يفرضها وضعٌ داخليٌّ هش، ووضع إقليمي متقلب، وغير واضح المعالم، فكان من بين برامجها الحيوية والإستراتيجية غير المعلنة إثر الثورة هو التمكّن من السلطة، والتغلغل في دواليب الدولة، وإيجاد قوى مساندة ومناصرة لها في مختلف الأجهزة العمومية.
تندرج في هذا الإطار قضية الأمن الموازي والغرف السوداء، وهي تطرح على حركة النهضة اختبارا مصيريا، لا مخرج لها منه سوى بتبرئتها قضائيا، لأنه مهما علت أصوات قياداتها، وتشنجت خطاباتهم، فإن الأمر اليوم أضحى موكولا لمجلس الأمن القومي وللسلطة القضائية، لتبت فيه بصورة نهائية وقاطعة.

المحور الحكومي: السمة الثالثة الطاغية على المشهد السياسي في تونس ضعف أداء الحكومة، وغياب الإرادة السياسية القادرة على فرض إصلاحات كبرى، إذ تطغى على المشهد الأيادي المرتعشة، والأصوات المبحوحة والمتوترة والفساد المستشري في مختلف مفاصل الدولة. أضف إلى ذلك غياب المحاسبة والمساءلة وتحميل المسؤولية وتقييم أداء رجال السياسة والمسؤولين الذين تعاقبوا على الحكومات التي تلت الثورة. وزراء وكتاب دولة ورؤساء حكومات ومستشارون وموظفون سامون انتهت مهامهم من دون محاسبة أو مراقبة أو تقييم للأداء. وأضحت القطيعة بين المسؤولين المتعاقبين على الوظائف نفسها أمرا معتادا ومعبرا عن غياب استمرارية الدولة وضعفها كسمة مميزة للحكم. ما يجعلنا نسترجع ماضيا كنا نظن أننا قطعنا معه، من شخصنة للمؤسسات وتلونها بلون مسؤوليها ومزاجهم وشخصياتهم وتوجهاتهم.. لم نبلغ بعد مرحلة مأسسة الحكم، وقد تضخمت هذه الظاهرة، على الرغم من قطع مراحل مهمة في بناء الانتقال الديمقراطي، وذلك نتيجة طبيعة النظام السياسي الذي تمخض عن دستور 2014: نظام برلماني معدّل يخلف عدم استقرار سياسي وحكومي، ويترتب عنه حتما غياب المحاسبة والمساءلة، في غياب أغلبيات برلمانية واضحة، ومعارضة قوية قادرة على تفعيل آليات الرقابة، وممارسة دورها قوة ضغط وتعديل وتقديم للبدائل.