}

نجيبة الهمّامي: أعتقد أننا نكتب لنسخر!

عيسى جابلي 26 أغسطس 2017
حوارات نجيبة الهمّامي: أعتقد أننا نكتب لنسخر!
نجيبة الهمامي

نجيبة الهمّامي واحدة من الأصوات القصصية الجديدة في تونس. شاركت في مهرجانات أدبية وملتقيات وطنية عديدة حصدت فيها جوائز كثيرة. معروفة بنشاطها الثقافي وتحمسها لفن القصة القصيرة. خرّيجة كليّة الآداب بمنّوبة. أصدرت باكورة أعمالها القصصية بعنوان "ليلة رأس ميدوزا" عن دار سؤال اللبنانية. ولقيت المجموعة إقبالاً لافتاً.

عن القصة القصيرة وواقعها الراهن وعلاقتها بباقي الأجناس وغيرها من المواضيع المتصلة، كان لنا معها الحوار الآتي:

*من هي نجيبة الهمامي؟ وكيف كان مجيئها إلى القصة القصيرة؟

 حاصلة على الأستاذية في الآداب والحضارة العربية من كلية الآداب بمنوبة / جامعة تونس الأولى، بصدد اجتياز مرحلة الماجستير، موظفة في وزارة الشؤون الثقافية (بيت الشعر التونسي).

مسلكي إلى القصّة ليس ذاك المسلك المعتاد ألا وهو حكي الجدة، بل كان من شغفي الشديد بالمطالعة منذ الصغر. أذكر أني حين كنت أدرس في المرحلة الابتدائية، ومع بداية كل سنة دراسية، أنهي كتاب القراءة منذ اليوم الأول كاملاً وفي مرة واحدة. ثم صرت أنتبه إلى أسماء مؤلّفي النصوص في الأخير وتساءلت كثيراً في حيرة عن تلك العبارة التي تذيّل بها: "بتصرّف" من هو؟ كم هو غزير الإنتاج هذا الـ"بتصرّف"، فلماذا يتخفّى؟ حتى معلّمي لا يعرفه ولا أمّي أيضاً.

وفي سنتي الأولى من المرحلة الثانوية صار بإمكاني ارتياد المكتبة العمومية / قسم الأطفال القريبة من المعهد، فأنهيت سلاسل كاملة من قصص الأطفال في غضون الأشهر الأولى وصرت أطالب المشرفين على المكتبة بأن يسمحوا لي بدخول قسم الكبار، فلم يعد لديهم ما أقرأ. ولم يسمحوا لي بذلك إلا بعد لأي ودموع... ويبدو أنني لم أغادرها إلى الآن. تغيّر المعمار والمكان والأسماء وكثير من العناوين، ولكني لم أبتعد عن رفّ الكتب حدّ اللحظة، حتى صار لي عنوان أنا أيضاً بين الكتب والقصص.   

 

*مؤخراً صرنا نرى عودة إلى فنّ القصة القصيرة وتضخّماً في المدونة القصصية مقارنة بما مضى، في رأيك ما أهم الأسباب وراء هذه العودة؟ وهل ستنجح القصة القصيرة في فرض نفسها أمام أجناس أدبية أخرى؟

القصة القصيرة دائماً حاضرة ولم تتوقف عن الوجود، فقط هو نوع من التراجع الترتيبي أمام الأجناس الأدبية الأخرى، ولنقل إنّها مسألة تداول طبيعي فيما بينها يرجع إلى عدة عوامل منها الوتيرة السريعة/ النسق السريع للزمن، ما أثّر في الكتابة والقراءة أيضاً فصار الالتجاء إلى اختصار الكتابة وتكثيفها أكثر فأكثر حتى برزت أجناس أدبية "برقيّة" أو "ومضيّة" شعراً وسرداً. هذا من ناحية، وهناك نقطة أخرى يجب أن نقرّ بها ونأخذها بعين الاعتبار ألا وهي المال... الجوائز، فطوال عقود مضت أُحدثت جوائز عربية وعالمية ووطنية أيضاً للشعر وللرواية وبدرجة أقل للنقد ولكن لا توجد ولو جائزة واحدة للقصة القصيرة. هذا الأمر تغيّر قليلاً منذ بضع سنوات فقط، يعني صارت هناك جوائز تُرصد للقصة القصيرة، ما شجّع كتابها على إخراج "مَخْفِيَّاتهم" القصصيّة ونشرها. ولكن ما نراه هو العودة القوية إلى كتابة القصة القصيرة ولكن لم نصل بعد إلى تضخّم في المدوّنة في رأيي، لم نبلغ بعدُ هذه المرحلة.

وفي ما يخص نجاح القصة القصيرة أمام الأجناس الأدبية الأخرى فهو متعلق بتراكم التجارب والكتابة وإعادة الكتابة باستمرار، فالكتابة المستمرّة والتراكم هما اللذان يصنعان التميز والنجاح في القصّة، وإن كان غير خاف وجود ملامح تميّز وتطوّر في الكتابة القصصية الآن من ناحية الأسلوب والمواضيع المطروحة واللغة المعتمدة وآليات الكتابة ولكن رغم ذلك..

المهمّ، لِنَحْكِ... لِنَرْوِ... فلربما يبقى شيء ما.

  

*في مجموعتك القصصية "ليلة رأس ميدوزا" خيوط عديدة تصلك بمدارس متنوعة في فن الأدب، من هم أهم الكتاب والكاتبات الذين تأثرت بهم في منجزك النصي؟

أنا قارئة نهمة جداً كما سبق وأخبرتك. قرأت كثيراً وكثيراً من الروايات والقصص والمسرحيات وكتب الأساطير والتراث وكتب التاريخ، بل إني حتى لم أنقطع عن قراءة قصص الأطفال. وأعتقد أني تأثرت بأغلب كتابات هؤلاء الذين أتذكّرهم ولا أتذكّرهم معاً. ولكني لا أخفي إعجابي الشديد والخاصّ بنفس السخرية السوداء الذي يكتب به الكاتب التركي عزيز نيسين، وأحبّ عوالم الكراييبي التي يكتبها غارسيا ماركيز، أمّا علاقتي بأدب البشير خريّف فهي علاقة عشق محض لا تحتمل أي نقد أو انتقاد. في المحصلة أنا أعشق النص الذي يمتلك هوية تميّزه، رائحة تشي به، رائحة الإبداع والفرادة عن غيره.

أحبّ النسيج المتين للسرد، أحبّ الشخصيات قويّة البناء في القصة، أحبّ تشعّب الحكي دون أن ينفرط خيطه ويصير متاهة فارغة. كل كتابة هي هكذا فأنا أتأثّر بها وأحترمها، وأسعى لأن أكتب هكذا.

 

*رغم جدية القضايا التي تطرقت إليها في مجموعة "ليلة رأس ميدوزا" وتنوعها بين السياسي والاجتماعي والثقافي إلا أنك كثيراً ما غلفت ذلك بنفس ساخر واضح، ممّ تسخر نجيبة الهمامي: من الواقع أم من القارئ أم من فعل الكتابة نفسه أم من كل ذلك مجتمعاً؟ وهل إن السخرية سلاح من أسلحة الكتابة أم هو مجرد عنصر لشد القارئ؟

أعتقد أننا نكتب لنسخر بشكل من الأشكال. لا بدّ من أن نسخر حتى نحيا فكل ما يحيط بنا مدعاة للسخرية، بل هو السخرية ذاتها. العالم من حولنا، من أرضنا وحتى أطراف الأرض تسخر منا، من وجودنا ومن حياتنا التي بتنا نجدها بلا معنى في ظل هذه الفوضى العارمة، دم بشريّ مسفوك في جهات الأرض الأربع. فهل لهذا من معنى؟ هل لهذا من مبرر؟ لا أعلم هل الحياة هي التي تسخر منّا أم الموت؟ لماذا يحدث ما يحدث؟ ما جدواه؟ ما مبرّراته؟ هل له معنى آخر غير السخرية؟ لا... قطعاً لا. إذن، في رأيي، لا بد لنا أن نواجهه نحن أيضاً بالسخرية المُرّة. نحن نسخر من كل شيء وكلّما اشتدّت وطأة الوجود علينا، ازددنا سخرية ومرارة، لا لشيء إلّا لنستطيع تحمّله ومواصلته.

أرى أننا جميعاً، بوعي منّا أو من دون وعي، نسخر في مختلف تمظهرات الكتابة الأدبية والفنية (قصة، رواية، شعر، مسرح، سينما... الخ)، فلا سلاح لنا غير ذلك.

*تشهد الساحة الأدبية التونسية، والعربية أيضاً، وفرة في المجاميع القصصيّة المنشورة وقد ترافق مع ذلك تنوع في المدارس والتيارات التي ينطلق منها كل كاتب. برأيك إلى أي مدى ما زلنا في حاجة إلى الكتابة وفق تيار أدبيّ معيّن أو مدرسة فنية بعينها؟

وكأن القصة بدأت تتقدم إلى المراتب الأولى من جديد، فالشيء المبهج حقاً هو هذه الوفرة في المجاميع القصصية، تونسياً وعربيّاً، التي ذكرتها. هناك، فعلاً، عودة إلى الكتابة القصصية، وبكثير من الحب والرغبة العارمة والتقدير لهذا الفنّ الذي تم تناسيه وتجاهله، بل ومحاولة تغييبه عن عمد لعقود طويلة، انتقاصاً أو جهلاً ربما، بالرغم من أن كثيراً من كبار الأقلام كتبوا فيه وأقرّوا أنه فن صعب جداً وليس في متناول الجميع. ليس من اليسير أن تقول ما تريد أن تقوله ومن ثَمَّ تبلّغه للقارئ بأقلّ وأبلغ وأعمق وأكثف معنى وأمتن بناء مع ضمان السلاسة والتشويق.

أما الكتابة حسب التيارات الأدبية والمدارس الفنيّة في رأيي فتبقى خياراً للقاصّ إن أراده أو تركه وهو أمر كان متوفراً سابقاً. أما الآن فلا أرى ضرورة له فالأوضاع العامة الثقافية والسياسية والفنية والاجتماعية والحضارية والنفسيّة لم تعد هي نفسها. الآن هناك تحرّك وتحوّل سريع في الأنساق الحدثيّة والنفسيّة، يكاد لا يسمح بالتقاط الأنفاس، وبالتالي لا يسمح بتشكّل ملامح موحّدة لمدرسة فنيّة أو تيّار أدبيّ ما. في رأيي هذا ليس عيباً بالعكس لقد سمح ببروز عديد من الأقلام المختلفة وبالتالي هُوِيَّات (هويّة القاصّ نفسه) وأساليب متعددة. قد نجد أحياناً اشتراكاً في الأفكار والمشاغل باعتبار الاشتراك في المرجعيات ربما والظروف الحياتية، ولكن كل قاصّ ينحتها بأسلوبه الخاص المميّز. وهذا أقصى ما يطمح له كل سارد وأجمله. فكلنا بالنهاية نسعى إلى التفرّد وخصوصية الملمح.

من ناحية أخرى أعود إلى نقطة مهمة في رأيي ألا وهي "النصّ وشأنه" كما أسمّيها، بمعنى أن للنصّ ما يطلبه وما يفرضه على كاتبه، إذ إن لكل نصّ لغته الخاصة وأسلوبه الخاصّ وبناءه الخاصّ، وهي أسس من الممكن أن تتجاوز القاصّ في بعض الأحيان. فالنصّ كيان مستقلّ، النصّ حياة خاصّة.

إنّ كل نصّ هو تيّار أدبيّ وكل نصّ هو مدرسة فنيّة.

*ما هي شروط نجاح القصة القصيرة المعاصرة في رأيك؟ أو كيف يمكن للقصة القصيرة أن تشد قارئ القرن الحادي والعشرين؟

*  لنتذكر دوماً أن التنظير الذي يضع القواعد والشروط لاحق للكتابة الإبداعية ذاتها. بمعنى هل إذا كتبنا وفق الشروط المعلومة لكتابة القصة القصيرة من وحدة زمان ومكان وشخصية وحبكة وخاتمة مفاجئة ووو... هل هذا كافٍ لضمان نجاح القصة؟؟ ذلك ليس إلا الهيكل الذي يعلمه الجميع وعلى القاصّ أن يضيف من روحه ومن ثقافته ومن ذائقته ومن اهتماماته ومن محيطه، من دون أن ننسى القدرة على الحكي، القدرة على القصّ. وهذا ما يشدّ القارئ للقصّة في أي زمان، وليس قارئ القرن الواحد والعشرين فقط، إضافة إلى أنه يجب على القاصّ أن يكون راهِناً، أي ابن لسانه وابن عصره مدركاً للتحوّلات اللغوية واللسانية والاجتماعية والنفسيّة والثقافية والحضاريّة... ومتفاعلاً معها مع سعي مستمر إلى التجدد اللغوي والأسلوبي من أجل الاستمرارية وضمان وجود العلاقة مع القارئ، وعليه، فليس هناك شروط قارّة ولا قواعد ثابتة وصارمة لكتابة قصة ناجحة.

*كيف تقيّمين تجربة تنظيم أماسي القصة القصيرة ضمن فعاليات معرض تونس الدولي للكتاب؟

الأماسي القصصية ضمن برنامج معرض تونس الدولي للكتاب فكرة ومشروع كان حلماً سعينا إلى تحقيقه معاً. أشكر الأستاذ العادل خضر الذي آمن بهذه الفكرة ودافع عنها بشدة وأدرجها ضمن دورة 2016 وأشكر الأستاذ شكري المبخوت الذي ساعد على ترسيخها ومواصلتها ضمن دورة 2017. وإن شاء الله ستتواصل وتصير من تقاليد الأنشطة الثقافية لمعرض تونس الدولي للكتاب. من الناحية التقييميّة أنا أعتبرها تجربة ناجحة وستتحسّن في قادم الدورات أكثر بتضافر جميع الجهود، حيث لكتّاب القصة الحق في الاهتمام وملاقاة الجمهور وقصّ قصصهم في فضاء المعرض تماماً مثل غيرهم من مبدعي الأدب. وليكن في علم جميع الكتّاب والمشرفين والمنظمين للتظاهرات الثقافية والملتقيات ومعارض الكتاب وذوي العلاقة أني لم أسجلّ لا أنا ولا صديقي عيسى الجابلي هذه الفكرة في حقوق الملكية الفكرية، ولذلك من يريد، وأنا أتمنى هذا وأرجوه مع كل نبضة دم تتدفّق من قلبي، أن ينظّم أمسيات قصصية مشابهة أو أفضل، فليفعل. وللقصة صوت يُتلى.. فلا تكتموه.

*ما هي مشاريعك الأدبية المقبة؟

* ما أفكّر به من مشاريع مقبلة له علاقة مباشرة ووثيقة بالقصة بصفة خاصة وبالسرد عموماً، وأفضّل أن تُعلن مشاريعي عن نفسها حين تُنجز. ومحورها هو: قصص... قصص... قصص!

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.