تونسيون تحدوا الظروف القاهرة للتصويت بانتخابات الرئاسة

14 أكتوبر 2019
الصورة
التونسيون أثبتوا جدارتهم بالحرية والتعددية السياسية (هيئة الانتخابات التونسية)
+ الخط -
لم تكن الانتخابات الرئاسية في تونس، التي شارك فيها ما يقارب ثلاثة ملايين وتسعمائة ألف مقترع، إلا تمثلاً للنفير العام نحو صناديق الاقتراع، وهبة شعبية نحو واجب التصويت، في مشهد فريد لا يهدف للاستعراض والتسويق للديمقراطية الناشئة، بقدر ما كان رسالة ذات مضامين أعمق.

على كرسي متحرك أو بعكازين، في سيارة إسعاف، أو على سرير نقال، وحتى ببدلة العرس، جاء التونسيون والتونسيات لحضور احتفال من نوع آخر: عرس الديمقراطية، وإثبات الجدارة بالحرية والتعددية السياسية.

(الهيئة العليا للانتخابات في تونس) 


ولم تكن تونس لتحتاج أن تسوق لديمقراطيتها عبر صور المقترعين من الفئات الهشة والوضعيات الخصوصية، فما حدث خلال أسبوع من أحداث سبقت الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها في دورها الثاني كان كافياً لإثبات وجود تعددية سياسية حقيقية وصراع انتخابي تعرّف خلاله التونسيون بدورهم على "تكافؤ الفرص" و"المساواة والإنصاف".

وإن كانت هذه الصور قد خدمت أيضاً المترشحين للرئاسية، إذ استعملت كأداة اتصالية تحفيزية لحشد الناخبين وإثارة حماستهم للمشاركة، بعد أن فشلت كل الومضات التوعوية للهيئة المستقلة للانتخابات في استدراج الناخبين بكثافة في محطات سابقة، فإن مشهد المقترعين من ذوي الاحتياجات الخصوصية ومن المرضى الذين استوجب نقلهم لمراكز الاقتراع بعد إجراءات طبية، وبمساعدة من الجيش الوطني، الذين هبوا نحو صناديق الاقتراع ليعبروا عن قناعاتهم عبر الصناديق؛ يحتاج وقفة حول هذا الالتزام الشعبي والمواطني الذي أخرج أكثر الفئات هشاشة إلى الشارع مجدداً، في حين لم يكن الأمر بذات الإقبال والالتزام خلال الرئاسية في دورها الأول والانتخابات التشريعية.

(الهيئة العليا للانتخابات في تونس)


بدت الانتخابات الرئاسية في دورها الثاني، خلافاً لمحطتين سابقتين، كموعد حرصت أغلبية الناخبين على أن لا يفوته، وكأن الانتخاب لم يكن فقط حقاً وواجباً ورأياً، وإنما متعة أيضاً. وحتى من تعفيهم القوة القاهرة، كالمرض أو الإعاقة، من المشاركة، حرصوا بدورهم على المشاركة وتطبيق مبدأ المساواة بينهم وبين بقية الناخبين في أن يكون لهم رأي في اختيار الرئيس الجديد.

ووفق قراءة الكاتب الصحافي محمد بوعود لإصرار هذه الفئات على المشاركة في الدور الثاني للانتخابات، فإن ما تم رصده من إقبال هو تعبير حقيقي عن رغبة تكاد تصبح شخصية لكل التونسيين لاجتياز هذه المحطة، وإبداء الرأي فيها. وأضاف محدث "العربي الجديد" أن "هناك أسباباً عديدة أذكت حماس هؤلاء للمشاركة، من بينها الشعور بالتزام تجاه إحداث انعطافة حقيقية عن سنوات التوافق ومرحلتها الفاشلة، سيما مع تفتت منظومتها وتخبطها من أجل ضمان بقائها واستمرارها".

واعتبر الكاتب الصحافي أن "التونسيين حولوا انتخاب قيس سعيد إلى تحد ورهان يشبه كثيراً إسقاط نظام بن علي، إذ كانت هذه المحطة الانتخابية برائحة الثورة، ومن تخلفوا عن المشاركة في مرحلة 14 يناير/كانون الثاني، لم يقبلوا أن يفوتوا هذا الموعد، وليثبتوا أن لصوتهم معنى".

ويفسَّر ذلك أيضاً بنجاح أنصار المترشح قيس سعيد في توحيد جزء من الناخبين حول شعار إسقاط ما سمي في أدبيات التعبئة والتحشيد بـ"السيستام"، وحملهم على الانتقام منه، سيما على ضوء انقساماته، حتى إن مناصري المترشح الخاسر نبيل القروي، أو من اضطروا لاختياره لعدة اعتبارات، من بينها الغموض الذي أحاط بسعيد ومشروعه والتخوفات من محيطه ومسانديه، فقد قادهم أيضاً إحساس التحدي باتجاه صناديق الاقتراع كأداة لحسم الصراع بين المترشحين.

المساهمون