توقيع الترجمة

24 يونيو 2019
الصورة
كريستيان يونغهاوس/ ألمانيا

أَلِف المواطنون في بلادنا العربية أن يُعانوا أثناء ترجمة بعض الوثائق الإدارية، تلك التي يُقدِّمونَها إلى إدارةِ بلدهم إنْ صادف أن أحضروها من الخارج، أو إنْ كانوا مُضطرِّين لتقديمها إلى قنصليات داخل بلدهم أيضاً، بأنْ يُطالَبوا من كلتا الإدارتيْن، بأنْ تكون تلك الوثائق مُترجَمةً، وأنْ تَحْمل خَتْماً مُصادَقاً عليه من قِبل وزارة الخارجية، بل إنَّ بعضَ المصالح تفرض عليهم أن يرتادوا مكاتبَ للترجمة بعينها دون أخرى.

في الحقيقة، يبدو هذا الاجتهاد عبثيّاً، لأن الأصل في مترجِم الوثائق الإدارية أنْ يكون مُحلَّفاً ومقبولاً لدى عموم الإدارات، وأنَّ وزارة العدل المسؤولة عن القطاع، بَعْد إجرائها لاختبار التحليف الذي يتقدَّم إليه التراجمةُ، تَسْهر على أن يكون المترجِمُ مستوفياً الشروط التي تُحصِّن توقيعَه وتُعطيه مصداقية.

لكنَّ التوقيع له وجه آخر في سياق الترجمة الأدبية، فأثناءَ نقاش مع كاتبة عربية بأوروبا، حول الكتابة وقضاياها قبلَ أيام، خُضنا في أمور الترجمة الأدبية بِحُكم أنها تمتهنها أيضاً، فكانت أن أبدتْ امتعاضاً من تدخُّل ناشرها مؤخَّراً في تغيير أمور في نصها المترجَم، من بينها العنوان الذي كانت قد وضعتْهُ للرواية التي ترجَمَتها، بحجة أنّه غير مُثير للقارئ حتى يُقبل على اقتنائها، لأنّه أهَمُّ في نظره من الوفاء للمتن.

لقد أثار فيَّ ذلك النقاشُ أسئلةً كثيرة؛ لعلَّ أبرزَها: بأيِّ حق يتدخَّل الناشر لإجراء تعديلات أو تغييرات في عمل المؤلِّف أو المترجِم؟ وهل يَجوز النَّظَر إلى تدخُّلِه بصفته عُنفاً صريحاً وتسلُّطاً؟ وما حدود هذا التدخُّل إن كان مسموحاً به؟ وأيّ صورةٍ يتمثَّل بها الناشرُ المترجِمَ؟

بدايةً، لا يسعُنا سوى القبول بحق النَّاشر في أنْ تكون له لَجْنة تصحيح وقراءة، كما في دور النشر الأوروبية الكبرى، تَسهَرُ على النظر في العمل من حيث توافره على المقومات العلمية أو الفنية، التي تُخوِّل له أن يُطبَع ويُذاع في الناس. ونَعْلَم أنَّ بعض كبار الكُتّاب مثل جان بول سارتر اعترفَ بفضل أولئك عليه، وهو ما يُلمَس أيضاً في الصُّحف التي كثيراً ما يستدرك المشرفون عليها هناتٍ على كُتَّابها، فيضعون عناوين للمواد المنشورة فيها تَختلف عن التي يقترحُها كاتبُها، ويُصححون مع الإبقاء عليها موقَّعةً باسم صاحبها.

ولا غرو أن التوقيع يحمل رسالةً مفادُها بأنه علامةٌ على أصالةِ النص، وانتمائِه إلى صاحبه حصرياً، الذي يكون مسؤولاً عن الوارد فيه، لِكونه من بنات أفكاره أو قراءاته.

ولا يخفى ذلك على الناشر، ومع ذلك، تَجِده يتدخَّل بتغييرات وإضافاتٍ، تُعدُّ تشويشاً على التوقيع، بل تزويراً، طالما أنه يمتلك توقيعَه الخاص به مُمثَّلاً بعلامة دار النشر التي يديرها، والتي تُعفيه من التطفُّل على نصِّ غيرِه.

ويَحفل تراثنا الكتابيّ بتقليد توقيعي رفيع، ذلك أن القدماء كانوا يذكرون في مقدّمة مخطوطاتهم اسمَهم وعنوان مؤلَّفِهم، مثلما كانوا يختمون العمل بذكر اسمهم مجدَّداً والمكان واليوم والشهر والسنة التي خُتِم فيها التأليف وبُيِّضتْ فيه النُّسخة بعد مُراجَعتها، وهو توقيعٌ صريح وليس إمضاء. ويبدو أن الناشر يتحاشى التقليد لِقِدَمه، ورُبّما يتعلَّل بأن اسمَ المؤلِّف يَرِد في الغلاف، وأنَّه بمثابة توقيع صريح واعتراف بملكيته للعمل رمزيّاً، على الأقل.

لكنّ قلة من الناشرين من يضع اسم المترجِم على الغلاف، فمعظمهم يدرجونه بحروف صغيرة طيّ صفحة داخلية، فيبقى غُفلاً، وكأنهم لا يعترفون بقيمة الترجمة بصفتها إعادة كتابة، وأنها ليست أقلّ شأناً من أصلها، ويكفي أن نستحضر الأرجنتيني بورخيس الذي صرّح في حوار معه بقوله: "كلما قرأتُ ترجمةً لي إلا وقُلتُ: ليتني كنتُ قد كتبتُ هكذا؛ لا شك في أن المترجمين ارتقوا بعملي!".

ولا مراء في أنّ التوقيع الخطي سيكون وارداً في عَقد النَّشر والترجمة حيث يرد الاتفاق بين الطرفيْن بما يتضمَّنه من التزام الاثنيْن باحترام بنود مُعيَّنة.

ومع ذلك، فالتوقيع يُفيدُ بأن منطوق النص هو للمؤلِّف أو المترجِم، وأنهما يتحمَّلان مسؤولية المكتوب كاملة، لذلك يكونان وحدَهما الملاحَقَيْن دوماً بالاغتيال أو العقاب أو التهديد، والأمثلة على ذلك كثيرة. ويُفْتَرَض ألا يحدث أيُّ تدخُّلٍ أو توجيه من قِبل الناشر في مَقول النصّ، لأنه ظاهرياً ليس مسؤولاً عنه، والدليل هو أنّ أقصى ما يُمكن أن يَطولَه هو مصادرة الكتاب، أو منعه من التوزيع.

تعليق: