تهديد مريب غريب

تهديد مريب غريب

07 مارس 2015
الصورة

تهديد غريب ومريب تتصدى له رئاسة الجامعة الأردنية

+ الخط -
كان ذلك في شهر رمضان المنصرم، قبل أذان المغرب بدقائق. تأملت المشهد العجيب الذي جرت أحداثه على مرأى مني في مطعم صغير في إسطنبول: عائلة تركية ترتدي نساؤها اللباس الشرعي الذي لا يخلو من أناقة واعتدال، وقد قدم النادل صحون الشوربة والتمر وكؤوس الماء البارد وقمر الدين، فيما ابتهج الصغار ترقباً وفرحاً بأذان المغرب الوشيك. على الطاولة المجاورة، عائلة تركية بملامح ولغة شبيهة يبدو أنها تحتفل بمناسبة ما. كانوا سعداء على نحو استثنائي لافت، وقد فارت فقاقيع الشمبانيا عن الكؤوس، فلوثت الطاولة الحافلة بالأطباق التركية الشهية، وسط ضحكات أفراد العائلة المبتهجة بالحياة لأسباب تخصها. على طاولة ثالثة، مجموعة سياح أجانب، رجال ونساء، يتناولون عشاءهم باستمتاع شديد، مذهولين برخامة صوت المطرب التركي، صاحب الصوت الشجي الحنون، وبراعة عازف العود المستغرق في ألحان صوفية.
توقف الغناء والعزف لحظة انطلاق صوت أذان المغرب. انهمكت العائلة الصائمة في إفطارها، وفي أحاديث ودية فيها استرخاء وفرح كثيران. ومضت الأمسية هادئة بسيطة، عادية مسالمة، لا يعكر صفوها شيء، في فضاء المطعم الذي تتجاوز مساحته بضعة أمتار. لم يرمق أحد الآخر بنظرات عدائية، تنم عن استياء بالغ، ولم يتمتم أي من الحضور بعبارة استغفر الله العظيم! ولم تحاول أي من النساء المحجبات هداية (السافرات)، ولو من باب النصيحة. مارس الجميع حريته الشخصية كاملة ناجزة، من دون خسائر في الأرواح والممتلكات. هكذا بعبقرية بسيطة، مفتاحها احترام الحرية والخصوصية وحق التعبير عن المعتقد وممارسة القناعات، فيتناغم الاختلاف، وتحترم المسافات، وتمضي الحياة بلا منغصات.
تذكرت هذا المشهد الذي عشت تفاصيله، ذات أمسية رمضانية تركية ليست بعيدة، بكثير من الحزن والأسى، والرعب كذلك، وأنا أتابع مع كثيرين مستجدات تهديد مريب غريب ومشبوه، أطلقته مجموعة من طالبات الجامعة الأردنية في عمّان، بلغ عددهن ثلاثون من التخصصات كافة. يتضمن نص التهديد الركيك جداً من الناحية اللغوية إنذار جمهور الطلبة من مغبة الاختلاط، ويفيد بأنهن بصدد التقاط صور لأي فتاة وشاب يشاهدان جالسيْن تحت الشجر! أو يتمشيان في الممرات بين المحاضرات! ليصار إلى نشر الصور على مواقع التواصل الاجتماعي، وتبليغ الأهل، بقصد الردع وإبعاد الأولاد والبنات عن الحرام (لأن الوضع لا يطاق وكله حرام بحرام)، بحسب البيان غير الفذ. ذلك بالإضافة إلى الإشارة إلى أن هذه الحملة الغاشمة انطلقت من الجامعة تعمم على جامعات المملكة، واعتبرت ذلك كله عملاً خالصاً لوجه الله تعالى. أقصد التجسس والتشهير والتكفير وانتهاك الخصوصية والتحريض على إلحاق الأذى، صدوراً من الوهم بأنهن مندوبات الله على الأرض، وانصياع غبي إلى خطاب ظلامي تكفيري استبدادي داعشي خطير، لا يمكن، بأي حال، تجاهل مظاهره في حياتنا اليومية، والذي يدق مليون ناقوس خطر في أهمية مواجهة هذه الهجمة غير المسبوقة على الحريات الشخصية، والترهيب الفكري الذي يمارسه أكاديميون ووعاظ وشيوخ دين، يشوهون عقولاً أمثال تلك الصغيرات الساذجات المنقادات بأرواحهن المعتقلة المرتهنة، المحدودات التفكير، المختصرات علاقتهن مع الله ونيل مرضاته في تمضية المرحلة الدراسية بالتجسس على رفاقهن، وهي المرحلة الأجمل والأشد براءة والأكثر اندفاعاً وطيشاً، ورغبة في اختبار الحياة واكتساب التجارب والقيم النبيلة من صداقة وأخوة وحب أحياناً. لم لا؟ المطمئن في الأمر أن رئاسة الجامعة تصدت للأمر بحزم، وأكدت اتخاذ إجراءات رادعة وعقوبات تأديبية، تصل إلى حد الفصل بحق من يحاول انتهاك خصوصية الآخرين، استناداً إلى قانون العقوبات الذي يعاقب بالحبس كل من خرق الحياة الخاصة، باستراق السمع، أو بأي وسيلة كانت، بما في ذلك التسجيل الصوتي أو التقاط الصور. وأكدت رئاسة الجامعة احترام خصوصية الجميع، على اختلاف أجناسهم وآرائهم وديانتهم وسلوكهم ولباسهم وأسلوب حياتهم. وهذا هو الخطاب التنويري الذي نتمنى تعميمه في كل بلادنا العربية المنكوبة على غير صعيد.