تقريع للنظام المصري في الكونغرس الأميركي: أصبح عبئاً علينا

26 يوليو 2018
الصورة
تظاهرة ضد السيسي خلال زيارته لواشنطن العام الماضي(فرانس برس)
+ الخط -
بعد تأخّر زاد على 45 دقيقة عن موعد بدئها، شهدت جلسة عقدتها اللجنة الفرعية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا المنبثقة عن لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي حول "الأمن وحقوق الإنسان والإصلاح في مصر"، شنّ هجوم لاذع وتوجيه انتقادات حادة لسجلّ النظام المصري في هذا المجال. ولم تقتصر الانتقادات على سجلّ الحريات أو ما يتعلّق بانتهاكات حقوق الإنسان أو التضييق على الصحافيين، بل امتدت للتشكيك في استراتيجية وتكتيكات وأداء الجيش المصري في شمال سيناء ومواجهة الجماعات الإرهابية هناك. كذلك تطرّقت إلى تراجع الدور المصري في مختلف القضايا الإقليمية، إضافة لعلاقات القاهرة بكوريا الشمالية وروسيا. ورأى أغلب المشاركين في الجلسة أنّ "مصر تحت رئاسة عبد الفتاح السيسي، فقدت أهميتها كقوة عسكرية وإقليمية"، وأنّ "الولايات المتحدة تقوم بمساعدتها خوفاً من أن تسقط وتصبح مشكلة لاجئين لأكثر من مائة مليون شخص".

وترأست الجلسة، التي عقدت يوم الثلاثاء، النائبة الجمهورية عن ولاية فلوريدا، إليانا روس ليتينن، وقدّم أربعة خبراء في الشأن المصري شهادتهم، وأجابوا عن أسئلة أعضاء اللجنة، وهم صموئيل تادروس، كبير الباحثين في مركز الحريات الدينية التابع لمعهد "هدسون"، وميشيل دن، مديرة برنامج الشرق الأوسط في "مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي"، وجاريد جينسر أستاذ القانون في جامعة "جورج تاون"، وأندرو ميلر، نائب مدير "مشروع الشرق الأوسط للديمقراطية". وكانت الجلسة مفتوحة، أي يسمح لأي شخص بحضورها، وقد شهدت حضور نحو 60 شخصاً ممن يهتمون بالشأن المصري في العاصمة الأميركية، إضافة لعدد من أفراد الجالية المصرية، وممثل عن السفارة المصرية. وانتقدت ليتينن في بداية الجلسة سجّل النظام المصري في التعامل مع المخاطر الأمنية في شمال سيناء، إذ رأت أنّ "عمليات الجيش المصري تنقصها الشفافية والفعالية"، مؤكدةً أنّه "لا يمكن التغلّب على التحدي الإرهابي الذي تواجهه مصر في ظلّ غياب الحريات واستمرار انتهاك حقوق الإنسان".

توقيت الجلسة

جاءت الجلسة بعد أيام من انتهاء أعمال وفد عسكري رفيع المستوى، برئاسة مساعد وزير الدفاع للشؤون الدولية، زار واشنطن لبحث مجالات التعاون المصري الأميركي المشتركة، كما جاءت أثناء وجود اللواء عباس كامل، رئيس جهاز الاستخبارات العامة المصرية، في واشنطن في زيارته الأولى لها عقب تبوّئه منصبه الجديد. وانعقدت الجلسة بعد ثلاثة أيام من نشر دورية "ناشيونال إنترست" دراسة تقلّل من أهمية مصر بالنسبة للمصالح الأميركية، مبرزةً سعي النظام المصري للتقرّب من روسيا.

وشهد مجلس النواب الأميركي قبل أسبوعين انعقاد جلسة تحت عنوان "التهديد الذي تشكله جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات التابعة لها على الولايات المتحدة ومصالحها، وكيف يمكن مكافحتها بفعالية"، وهو النقاش الذي قابلته وسائل الإعلام المصرية الرسمية أو الموالية بالترحيب. وتم التركيز على مطالب رئيس اللجنة الفرعية للأمن القومي، النائب الجمهوري من ولاية فلوريدا، رون دي سانتيس، بوضع تنظيمات الإخوان كافة على قوائم الإرهاب، معتبراً أنّ "السياسة الأميركية فشلت في مواجهة ما تمثله الجماعة من سلوك راديكالي، ودعمها للمجموعات الإرهابية".


معضلة الأمن والحريات والمجتمع المدني

وانتقد عدد من المتحدثين من أعضاء اللجنة سجّل الحكومة المصرية المتعلّق بالحريات وعمل منظمات المجتمع المدني والتضييق على حرية النشر واعتقال الصحافيين. وانتقد النائب الديمقراطي من ولاية فلوريدا، تيودور دويتش، حجب النظام المصري للمعلومات في ما يتعلق بعملياته في سيناء، وكذلك عدم السماح للخبراء والعسكريين الأميركيين بالاطلاع على الحملة العسكرية "سيناء 2018" التي أطلقتها القاهرة في فبراير/شباط الماضي. وطالب دويتش الحكومة المصرية بـ"عدم التحجّج بتوفير الأمن لتبرير انتهاكات حقوق الإنسان"، كما طالب بضرورة "السماح للصحافيين العمل بحرية لعرض الحقائق على الشعب المصري في القضايا التي تهمه".

وخلال إدلائه بشهادته، قال أستاذ القانون جينسر إنّ السيسي "خالف وعده الذي قدمه لأعضاء الكونغرس خلال زيارته لواشنطن في إبريل/نيسان 2017، من أنه لن يوقّع على مشروع قانون الجمعيات الأهلية في مصر، وهو ما لم يقم به، إذ وقّع على المشروع وأصبح قانوناً". ولفت إلى تقرير وزارة الخارجية الأميركية عن حالة حقوق الإنسان حول العالم لعام 2017، الذي فصّل حجم الانتهاكات الواسعة التي تشهدها مصر. وأشار التقرير إلى حالات القتل خارج إطار القانون على يد جهات حكومية، والإخفاء القسري والتعذيب، وظروف الاعتقال غير الإنسانية، إضافة للمحاكمات العسكرية للمدنيين، والتضييق على حرية التجمّع وحرية إبداء الرأي والنشر.

وأشار كذلك لحالة عدد من المعتقلين في مصر، ومنهم علا القرضاوي، الحاصلة على إقامة دائمة في الولايات المتحدة، وتقبع تحت ظروف اعتقال غير إنسانية في مصر وبلا أي سبب، كما ذكر. وطالب جينسر النظام المصري بتعويض المواطنة الأميركية أبريل كورلي التي أصيبت خلال هجوم نفّذته مروحيات مصرية على قافلة سياحية مكسيكية في الصحراء الغربية قبل ثلاثة أعوام، إذ تسبب الهجوم بإصابتها بالعجز التام، في حين ترفض الحكومة المصرية دفع تعويض مناسب لها. كذلك، طالب بزيادة وتفعيل المشروطية على المساعدات العسكرية لمصر حتى تتعاون في القضايا الحقوقية وقضايا المعتقلين. وطلبت الإدارة الحالية مبلغ 1.381 مليار دولار في ميزانية العام المالي 2019، كمساعدات لمصر، وهو المبلغ الذي يعادل مثيله في العام 2018.


تهريب صواريخ من كوريا الشمالية

إلى ذلك، انتقد النائب الديمقراطي عن ولاية نيويورك، دانيل دونوفان، تقرّب النظام المصري من روسيا والصين وكوريا الشمالية، وذكّر النائب الحاضرين بحادثة تهريب مصر لآلاف الصواريخ الكورية الشمالية وضبطها في قناة السويس، وهو ما أدى لحجز 300 مليون دولار من المساعدات العسكرية الأميركية حينذاك. وتساءل دونوفان عمّا يجب القيام به لإثناء مصر عن التعاون مع كوريا الشمالية.

من جانبه، قال أندرو ميلر، من "مشروع ديمقراطية الشرق الأوسط"، إنّ "القاهرة بالفعل تلقّت الرسالة الأميركية الغاضبة، وقامت بغلق مكتبها العسكري في بيونغ يانغ، وقلّصت عدد العاملين في سفارتها هناك. كما طالبت بتقليل عدد العاملين في سفارة كوريا الشمالية بالقاهرة".

إنهاء التحالف

ورأى ميلر أنّ مصر "تُعد شريكاً مزعجاً للولايات المتحدة"، ووصفها بأنها دولة "لا تكترث بالمصالح الأميركية، خصوصاً في ما يتعلّق بسجلّها العسكري مع كوريا الشمالية وروسيا"، لافتاً إلى أنّ "استمرار اعتقال مواطنين أميركيين يبعث على القلق". كذلك أشار إلى "انزعاج البنتاغون من تعنّت المصريين، والاستمرار في طلب المزيد من الأسلحة، رغم وجود ما يكفي لديهم لمواجهة كل التهديدات الحقيقية، وعدم اهتمامهم الكافي بتدريب جنودهم وضباطهم على يد ضباط أميركيين حول كيفية استخدام هذه الأسلحة في مواجهات غير تقليدية مع الإرهابيين". أمّا الباحث صموئيل تادروس، فقد دعا في شهادته، وبطريقة مباشرة، إلى إنهاء التحالف مع مصر، معتبراً أنّ مصر "لم تعد تلك الدولة الهامة، ولا المركزية". 

وقبل جلسة الثلاثاء، كتبت ميشيل دن وأندرو ميلر مقالاً مشتركاً هاماً في دورية "ناشيونال إنترست" قلّلا فيه من أهمية الدور المصري في خدمة المصالح الأميركية بالشرق الأوسط. وعبّر الكاتبان عن أنّ حفاظ مصر على معاهدة سلامها مع إسرائيل "ليس بالضرورة نتاج ضغوط أو إملاءات أميركية، بل هو قرار مصري يخدم مصالح القاهرة". أمّا عن الخدمات التي تقدمها مصر لواشنطن مثل السماح باستعمال المجال الجوي المصري، أو تسهيل مرور السفن العسكرية بقناة السويس، فيعتقد الكاتبان أن "ليس له قيمة حقيقية".

كذلك رأى الكاتبان أن السيسي "يحاول إحياء مناورة الحرب الباردة التي أثبتت فاعليتها بين موسكو وواشنطن، والمتمثلة في التلاعب بكل من الولايات المتحدة وروسيا"، واعتبرا أنّ الرئيس المصري معجب بنظيره الروسي فلاديمير بوتين كثيراً، فكلاهما ضابطا استخبارات ومستبدان. لكنْ لدى كاتبي المقال شكوك بخصوص ما إذا كانت المؤسسة العسكرية المصرية مستعدة للخروج من المظلة الأميركية واستبدالها بالروسية.

وخلال شهادته في الجلسة، طالب ميلر الكونغرس بتوجيه رسالة حازمة لمصر تتكوّن من شقين؛ الأول أنّ المساعدات العسكرية لن تستمر للأبد، وستتوقف على تحسين سجّل حقوق الإنسان وعلى سماح القاهرة للأميركيين بالدخول لسيناء، إضافة لتقليص أي تعاون مصري مع كوريا الشمالية. ونبه ميلر في هذا الإطار، إلى أنّ النظام المصري ينصاع للشروط التي تفرض على تقديم المساعدات، كما حدث في موقفه تجاه تقليص علاقاته الدبلوماسية مع كوريا الشمالية. أمّا الشقّ الثاني، فيتمثل في ضرورة تخفيض المساعدات لتصبح مليار دولار فقط، وهو ما يبعث لمصر برسالة واضحة على عزم واشنطن استخدام المساعدات لخدمة أهدافها ومصالحها، ويجعل ذلك القاهرة تتردّد في الانفتاح على موسكو أو بيكين. وبعبارة أخرى يريد ميلر أن يكون هناك عائد مباشر من تقديم المساعدات لمصر.

وأجمع المشاركون على أنّ الضغط على النظام المصري عن طريق فرض شروط على تقديم المساعدات العسكرية يؤتي ثماره، وهو ما يجب أن تلتفت إليه الإدارة الأميركية وتجعله على سلّم أولوياتها في التعامل مع النظام المصري. كذلك طالبت ميشيل دن الكونغرس بالتركيز على دعم الشعب المصري وليس فقط دعم الجيش، وذلك عن طريق توجيه جزء من المساعدات لمشروعات البنية التحتية في مجال المياه والري، إضافة لبرامج تدريب الشباب في قطاع العمل، للتغلّب على البطالة الواسعة بينهم.