تفسيرات الأطباء للموت

10 سبتمبر 2019
الصورة
تكبر المساحة التي يحتلها الموت (عبد الحميد حصبص/ الأناضول)
ليس عدد أصدقائي من الأطباء كبيراً لأسباب تتعلق بطبيعة مهنتهم التي تمنعهم من قضاء الأوقات مع الآخرين، أو تشغلهم عن متابعة الأمور التي تشغلني، وأحياناً يفاجئني طبيبي بأسئلة تكشف عدم اهتمامه بما أعتقد أنه الحياة.

في الأصل، لست أحب التردد على الأطباء، أغلب البشر مثلي في هذا الشأن. أستسلم لفكرة الخضوع للعلاج حين تفشل محاولاتي في الهرب من المرض، أو التحايل على الألم.

لكني أحب مجالسة الأطباء الذين يمتلكون رؤية ما حول طبيعة الحياة، وعادة ما تعجبني تفسيراتهم المتأثرة بمهنتهم، كما أن عدداً من أبرز الكتاب والروائيين الذين أحب القراءة لهم في الأصل أطباء.

قبل أيام، جمعني نقاش مع أحد هؤلاء حول الوفاة المفاجئة للعشريني المصري عبد الله محمد مرسي، وكنت أنتظر رداً علمياً يفسّر موت شاب لا يعاني من أية أمراض بتلك البساطة.

لكنه قال إن الأطباء أنفسهم لا يملكون تفسيرات واضحة لكثير من الأمراض التي تصيب البشر، وإن وفاة شخص أكثر تعقيداً من قدرة الطبيب على التفسير، وعادة يكون لها عشرات التفسيرات، حتى إن ما يدونه الطبيب الشرعي في تقرير الوفاة غالباً ما يكون رأيه المعتمد على السبب الظاهر، وليس سبب الوفاة الحقيقي.

كنت مستغرقاً في التفكير في كلامه، ثم طالبته بمزيد من التوضيح، فقال إن أزمة قلبية قد تنهي حياة الإنسان، لكنها لن تكون سبب وفاته، ويظل ما أدى إلى حصول الأزمة القلبية هو السبب الحقيقي للوفاة.

زادت حيرتي، فأضاف أن المتفق عليه بين العلماء والأطباء أن تعرض جسد الإنسان للمؤثرات الخارجية تنتج عنه استجابات معقدة لم يتم تحديد طبيعتها حتى الآن، وأن الأثر النفسي عادة ما يكون له تداعيات عضوية خطرة، وبعضها قاتل، إذ يمكن لوضع نفسي أن يتسبب في توقف القلب أو الدماغ عن العمل، وربما كان هذا ما جرى مع عبد الله مرسي الذي كان يعيش أزمة نفسية عميقة.

تذكرت عندها مقولة للروائي أحمد خالد توفيق، وهو أيضاً طبيب: "الإنسان لا يموت دفعةً واحدة، بل كلما مات له قريب أو صديق مات الجزء الذي يحتله هذا الصديق أو القريب في نفسه، ومع الأيام وتتابع سلسلة الأموات، تكثر الأجزاء التي تموت بداخله، وتكبر المساحة التي يحتلها الموت". هناك نص مشابه كتبه جبران خليل جبران.




ويظل ما كتبه المفكر والطبيب مصطفى محمود في "لغز الموت" معبراً: "الموت في حقيقته حياة. الموت يحدث داخلنا في كل لحظة. كل نقطة لعاب، وكل دمعة، وكل قطرة عرق فيها خلايا ميتة نشيعها إلى الخارج. ملايين الكرات الحمر تولد وتعيش وتموت، ومثلها الكرات البيض، وخلايا اللحم والدهن والكبد والأمعاء".

دلالات

تعليق: