تحقيق فلسطين 1
19 يوليو 2020

يقضي السجينان الجنائيان الفلسطينيان مجاهد علي (28 عاما) وعلاء حرب (27 عاما)، أحكاما بالسجن 25 عاما للأول و18 عاما للثاني، بتهمة قتل المستوطن الإسرائيلي ديفيد بار كفرا عام 2015، بسبب رفضه تسديد أجورهما، إذ كانا يعملان لديه في قطف العنب في مستوطنة مزغيرت باطيا بالقرب من تل أبيب، ورغم أن لائحة الاتهام المقدمة إلى المحكمة بتاريخ 20 يوليو/تموز 2015، اعتبرت الجريمة وقعت على أساس جنائي إلا أن "لجنة الموافقة" في وزارة دفاع الاحتلال (متخصصة في تصنيف المتضررين من الصراع العربي الإسرائيلي) أدرجت اسمه في قوائم "ضحايا الأعمال العدائية" بتاريخ 29 يناير/كانون الثاني 2019 ضمن تصنيف قتيل على أساس قومي، بعد ضغط كبير من العائلة، التي اعتصمت لعدة أيام أمام منزل رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، كما تفيد عائلتا السجينين لـ"العربي الجديد".

التلاعب بملفات الاغتصاب

ما جرى لعلي وحرب جزء من ظاهرة تتسع، كما توضح المحامية عبير أبو بكر من الداخل المحتل، والتي تابعت قضيتي اغتصاب وقتل وقعتا عامي 2010 و2019، الأولى في تل أبيب والثانية في القدس، وتم الاعتراف بالقتيلتين كـ"ضحايا أعمال عدائية" رغم أن القضية الأخيرة ارتكبها شاب فلسطيني يعاني من أمراض نفسية، لكن ضغط الأهالي في الحالتين ساهم في تحويل الملفين من جنائي إلى سياسي، بموافقة وزارة دفاع الاحتلال، على الرغم من أن السجينين يقبعان في السجون الجنائية، وهو تناقض تجمع أبو بكر والمختص في الشأن الإسرائيلي ومدير مركز الخدمات الاستراتيجية والترجمة العبرية عصمت منصور في إفادتهما لـ"العربي الجديد" على أنه يأتي في سياق محاولة أهالي القتلى الحصول على امتيازات مالية من مؤسسة "التأمين الوطني الإسرائيلي"، بالإضافة إلى اعتبارات معنوية ليست بذات الأهمية.

ويتضح من خلال موقع "التأمين الوطني" أن أهالي القتلى الإسرائيليين على أساس قومي أو ما يطلق عليهم "ضحايا الأعمال العدائية"، يحصلون على 26 ميزة مالية من قبل دولة الاحتلال، أهمها: راتب شهري يصل إلى 1200 دولار، تخفيضات على الضرائب، خدمات صحية مجانية، منح في التدريب المهني والتعليم ما بعد الابتدائي والعالي، مساعدات مالية خاصة بالأبناء، المساعدة في شراء مركبة، الإعفاء من تسجيل رسوم الميراث، الإعفاء من رسوم نقل العقارات، المساعدة في بناء مشاريع اقتصادية خاصة، المساعدة في رسوم تركيب الهواتف ودفع الفواتير، المساعدة في توفير أموال للزواج والسكن وغيرها من الامتيازات.

ورغم عدم وجود إحصائيات دقيقة حول القضايا الجنائية، التي تم تحويلها إلى سياسية، إلا أن معدّ التحقيق، رصد 7 حالات اغتصاب تم تحويلها إلى قضايا على أساس قومي بين عامي 2006 و2020، وهو ما يفسر مطالبة عضوة الكنيست عيديت سلمان في يونيو/حزيران 2019، وزير الأمن الداخلي في حينها جلعاد أردان، بتشكيل طاقم خاص للتحقيق مع المغتصبين العرب ومعاملتهم كـ"إرهابيين"، لأن المسألة على حد زعمها تحولت إلى ظاهرة.

ولا تخفي عائلات بعض القتلى الإسرائيليين أن معركتهم لتحويل الملفات من جنائية إلى سياسية، هي بالأساس معركة تعويضات، كما في حالة اغتصاب وقتل الفتاة اليهودية ليفز حيمي عام 2006 في منطقة بيت شيمش القريبة من القدس، حيث اعتبرت عائلتها أن "اغتصابها وقتلها في يوم استقلال إسرائيل هو دليل على أن الدوافع قومية، ومؤسسات الدولة مطالبة بالتعويض". وبحسب المحامية أبو بكر، تم بالفعل تحويل الملف إلى سياسي.

ويشير منصور وأبو بكر إلى أن تساوق المنظومة الرسمية الاحتلالية في تحويل الأساس القانوني لهذه القضايا، يهدف أيضا إلى تفكيك شرعية النضال الفلسطيني وتحميله قضايا اغتصاب وسرقة، بما يخدم الرواية الصهيونية، حتى لو كان ذلك نسبيا على حساب خزينة الدولة.

تحقيق فلسطين 2

 

استثمار في القتل غير العمد

لم يعد الأمر يقتصر على تحويل القضايا الجنائية إلى سياسية كما في الحالات السابقة، بل إن القتل عن طريق الخطأ، الذي لا يقع في أي من التصنيفين السابقين، أصبح جزءا من لعبة استثمار الإسرائيليين في قتلاهم، كما يشير المحامي درويش الناشف، الذي توّكل في قضية الأسير سحبان الطيطي (33 عاما)، المتهم بدهس مستوطن إسرائيلي على مدخل مخيم العروب القريب من الخليل عام 2016. 

وينقل المحامي درويش ووالد الأسير الطيطي لـ"العربي الجديد" اعترافاته بحسب ما وردت في إفادته، التي قدمها في التحقيق المركزي لدى جهاز الأمن العام "الشاباك"، تأكيده على أنه لم يسع لدهس المستوطن، وإنما كان يحاول الانسحاب من المكان بشاحنته بعدما بدأ المستوطن بمهاجمة السيارات الفلسطينية، وعلى هذا الأساس قدمت لائحة اتهام بحقه في المحكمة العسكرية في معسكر عوفر القريب من رام الله، بتهمة القتل غير العمد، إلا أن أهل المستوطن القتيل قاموا بالاعتصام أمام منزل نتنياهو ونظمت جماعات استيطانية مظاهرات حاشدة في تل أبيب من أجل تحويل التهمة إلى القتل العمد، وهو ما حصل بالفعل بعد وعود من النائب العام العسكري، وتم الحكم عليه في يوليو/تموز2020 بالسجن المؤبد مدى الحياة وتعويضات لعائلة القتيل بقيمة 1.8 مليون شيكل.

تنشط منظمة "شورات هادين" في رفع دعاوى تعويض لعائلات القتلى

ويتفق منصور والمحامية أبو بكر على أن الضغط على المحاكم والنظام القضائي الإسرائيلي لم يعد مقتصرا على أهالي المستوطنين القتلى، بل أصبح يأخذ شكلا منظما تقوده جمعيات استيطانية ودينية مثل منظمة "إن أردتم" الصهيونية، والتي تقود حملات جماهيرية على الأرض ومن خلال مواقع التواصل الاجتماعي، كما ويتم توكيل محامين متخصصين للمساهمة في تحويل هذه الملفات، وهو ما تفعله منظمة "حننو" الصهيونية، مستفيدة من التغيرات البنيوية الكبيرة، التي طرأت في العقد الأخير على تركيبة المحاكم الإسرائيلية خاصة العسكرية منها، ودخول عدد كبير من المستوطنين إلى النظام القضائي الإسرائيلي، تحت إشراف وزيرة القضاء إيليت شكيد (2015 ـ 2019).

صفقات رضائية

تكشف حالتا السجينين علي وحرب، أن قرار الحكم بالمؤبد بحقهما محددا بفترة زمنية، وهو إجراء يُتخذ في حالات القتل الجنائية، ولا ينسجم مع الأحكام التي تقرّها المحكمة على الأسرى السياسيين، والذين يُحكمون بالمؤبد مدى الحياة، واقتصرت مطالبة عائلة القتيل على اعتماده في قائمة "ضحايا الأعمال العدائية" وهو ما يكشف أن الهدف هو الامتيازات المترتبة على ذلك، كما يشير المختص في الشأن الإسرائيلي ومنصور وعائلة السجينيين. وهذه "الصفقات الرضائية" يمكن الكشف عنها بسهولة، كما يشير منصور وأبو بكر والناشف، وأبرز ملامحها هو عدم تحويل الأسير للعيش في سجون الأسرى السياسيين وكذلك تحديد المحكوميات بالسنوات في حالة الأحكام المؤبدة، إلا في حالات استثنائية كما جرى مع الأسير الطيطي، الذي لا يمكن توجيه تهم جنائية بحقه، لعدم توفر أدلة جنائية ضده، وبالتالي فإنه يحاكم كأسير سياسي، من أجل شرعنة "الصفقة".

ويشترط قانون "ضحايا الأعمال العدائية"، الذي أقره الكنيست عام 1970، وأجريت عليه تعديلات عام 2007، أن يكون "الشخص قد تضرر بفعل الأعمال العدائية، التي تقوم بها القوات العسكرية أو شبه العسكرية أو غير النظامية أو منظمات أو مجموعات معادية لإسرائيل، أو عرضيا خلال أعمال عدائية، أو بسلاح ناري معدّ للقيام بأعمال عدائية، أو بسبب انتمائه إلى أصل قومي - عرقي، بشرط أن يكون الأساس لكل ذلك، الصراع العربي الإسرائيلي"، وهي معايير لا تتوفر في الحالات المذكورة.

ملايين الشواكل

تنشط منظمة "شورات هادين" في رفع دعاوى تعويض لعائلات القتلى، ووافقت محكمة الاحتلال بالقدس في إبريل/نيسان 2020 على طلبها بتعويض 15 عائلة من خلال الاستيلاء على 450 مليون شيكل من أموال المقاصة الفلسطينية، وقد نجحت المنظمة نفسها بالحصول على قرار من محكمة فيدرالية في نيويورك في فبراير/شباط 2015 بتعويض 11 عائلة بمبلغ 655 مليون دولار.

توظيف عدد كبير من المستوطنين بالنظام القضائي الإسرائيلي

يقول الناطق باسم هيئة شؤون الأسرى الفلسطينيين حسن عبد ربه إن "السنوات القليلة الماضية شهدت زيادة في فرض التعويضات المالية الباهظة على معتقلي القضايا السياسية، والتي تصل في بعض الأحيان إلى ملايين الشواكل، وهذا جزء مهم من الامتيازات التي يحصل عليها عوائل القتلى، وهو ما شجعهم في حالات القتل غير العمد، كما في حالة الأسير الطيطي، لتوكيل محامين من مؤسسات استيطانية وإقامة مظاهرات واعتصامات من أجل تغيير لوائح الاتهام". ولا يمكن لهذه "الصفقات التجارية" بين مؤسسات الاحتلال وعوائل القتلى في عمليات جنائية نفذها فلسطينيون أن تغيّر في تعريف أو اعتماد الأسير السياسي في قوائم هيئة شؤون الأسرى، كما يؤكد الناطق باسم الهيئة عبد ربه، الذي يوضح أن تعريف الأسير السياسي أو الأمني هو من اعتقل على خلفية مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، ويُثبت ذلك من خلال الوثائق المطلوبة، من ضمنها شهادة الصليب الأحمر الدولي ولائحة الاتهام وبروتوكولات المحاكم وقرار الحكم، وتتم معالجة ذلك من قبل الدائرة القانونية. ويؤكد عبد ربه أن ليس لدى الهيئة إحصائيات محددة حول قيمة التعويضات، التي فرضت على الأسرى في السنوات الأخيرة، لأن السلطة الفلسطينية لا تعترف بقرارات المحاكم الإسرائيلية في هذا الشأن، لكن المختص في الشأن الإسرائيلي منصور يرى أن هناك قصورا في المعلومات في هذا الجانب، إلى جانب أن السلطة لا تترافع في قضايا التعويض ولا تعترف بشرعيتها.