تعديل الضمائر

13 مارس 2020
الصورة
(سارتر في بورتريه لـ تيري إيرمان)

في الخمسينيات، حين كانت فرنسا لا تزال تحتلّ الجزائر، كتب الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر كتاباً صغير الحجم حمل عنواناً لافتاً هو "عارنا في الجزائر". لم يكتب سارتر عار النظام الحاكم، أو عار المستعمرين، بل وضع "نا" الجماعة، مقرّراً أنَّ ما يفعله المستعمرون في الجزائر من أعمال وحشية أمر يخصّ كل الفرنسيّين.

أظنّ أنّ الصمت تجاه المجازر التي تُرتَكب، كان أحد الأسباب التي جعلت الفيلسوف يقرّر أنّ العار يلحق الجميع، سواء كانوا ممن تلوثت أيديهم بالدماء، أو كانوا أبرياء لا يتدخّلون في السياسة، أو لا يبالون بما يحدث قريباً منهم، مِن قِبل أبناء بلدهم، تجاه شعب آخر، احتُلّت أرضه، وقرّر النضال من أجل التحرُّر.

وليس من المهم أن نعدّد اليوم ما ذكره سارتر عن الجرائم التي ارتكبها المستعمرون في الجزائر، إذ فضلاً عن إمكانية تعميم المعلومات على كل المستعمرين، فإنَّ ما قدّمه بات معروفاً اليوم على نطاق واسع، من الكتب المدرسية حتى كتب التأريخ.

وقبل سارتر ببضعة عقود، حمل الروائي الفرنسي إميل زولا على القضاء العسكري الفرنسي، وعلى اليمين السياسي الذي يسانده، دفاعاً عن ضابط مظلوم اتُّهم زوراً، وحوكم وأُدين وسُجن في أكثر سجون فرنسا بشاعةً في الغويانا، في القضية الشهيرة التي حملت اسم "قضية دريفوس".

نتحدّث هنا عن ضمير الكاتب لا عن قلمه، عن موقفه الأخلاقي من قضايا بلاده، كما رأينا لدى زولا، أو عن قضايا عصره، كما قدّم لنا سارتر تلك الشهادة الحية التي أدان فيها بلا تردّد وحشية الاستعمار وراء الحدود الفرنسية.

وبعد أن كان المفكّر والفيلسوف والكاتب الأخلاقيّون نماذج يُقتدى بها ويخشاها السياسي والعسكري. وبعد أن كانت أقوال المفكّر تُرهب السياسي، بينما كان المفكّر يرفع صوته عالياً؛ تغيّر هذا الموقف الأخلاقي في أيامنا، وبات اليوم السياسي المغامر المعجب بأسلحته الجديدة هو المثال. بات الشعار أكثر أهمية من الحقيقة. وبعد أن كانت المختبرات تبحث عن الوسائل الناجعة في العلاج من الأمراض، صارت مختبرات الأسلحة موضع تقريظ ومدح بعض الضمائر المثقّفة. والأخطر من هذا كلّه أن يكون لدى بعض الكتّاب الجرأة للتعبير عن إعجابهم بشخص السياسي أو العسكري.

ولكن موقف الكاتب من الظلم ليس فرض كفاية، فمثال زولا أو سارتر، أو غيرهما من الكتّاب الذين وقفوا ضد الحروب، يدين الصمت الذي يمارسه كتّاب ومثقّفو العالم اليوم تجاه المجازر التي تُرتَكب في أنحاء مختلفة من كرتنا الأرضية، أو ضدّ التهجير، أكثر مما يمنح الكتابة أو الثقافة صك البراءة والغفران من التقصير أو التواطؤ. وتزداد هذه الإدانة قوّة حين يكون صوت الكاتب قد استطاع أن يتجاوز حواجز المكان الجغرافي، وأسوار اللغات، أو أن يكون قد نال الشهرة، وهي تعني قدرته على رفع الصوت في وجه المظالم، وما ينجم عنها من التأثير في الرأي العام، بينما يقف متفرّجاً أو يصمت، أو، وهذا هو الأدهى، يؤيّد الخراب.


* روائي من سورية

تعليق: