تصعيد متبادل بين "حماس" و"فتح": عودة الانقسام إلى المربع الأول

07 يناير 2019
الصورة
هدّد عباس بإنهاء مسار المصالحة مع حماس(مجدي فتحي/Getty)
ارتفع منسوب التصعيد المتبادل بين قطبي الانقسام الفلسطيني الداخلي، حركتي "حماس" و"فتح"، في ظلّ الإجراءات المتبادلة وغير المسبوقة بينهما في كل من قطاع غزة والضفة الغربية، والاعتقالات التي طاولت عناصر وقياديي التنظيمين. ما أدى إلى تشريع الأبواب أمام مستقبل مجهول فلسطينياً.


ومنذ إعلان الرئيس محمود عباس أواخر شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي عن قرار المحكمة الدستورية بحل المجلس التشريعي المعطل، الذي تهيمن عليه "حماس"، سقطت لغة الحوار التعامل بين الطرفين، وعاد التراشق الإعلامي بشكل أكبر وأوضح بينهما، وبألفاظ لم تكن موجودة في قاموس الخلاف الفلسطيني.

وردت "حماس" في غزة بمنع "فتح" من إحياء ذكرى انطلاقتها، واشترطت للموافقة إلغاء "العقوبات" على القطاع. وشنّت أجهزتها الأمنية حملة اعتقالات واسعة في صفوف قياديي ونشطاء "فتح". كما أن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية ردت بالمثل، وقامت بحملة اعتقالات على مدى الأيام الماضية، فيما غابت الفصائل الأخرى عن التأثير في أي من الطرفين.

وكانت "فتح" تصر على الاحتفال بذكرى انطلاقتها، اليوم الاثنين، في ساحة السرايا وسط مدينة غزة، فيما تتمسك "حماس" بمنع ذلك، رغم تدخل الوسطاء من الفصائل والشخصيات الوطنية لنزع فتيل التوتر الحالي، ولمنع الانزلاق إلى تعميق الخلاف أكثر، وفق مصادر من الفصائل تحدثت لـ"العربي الجديد"، قبل أن تعلن "فتح" إلغاء الاحتفال.

وأكدّت المصادر أنّ "هناك حالة عدم ثقة وانهيار تام لأي وسائل للتفاهم بين الطرفين، وحذّرت من أنّ الوضع الفلسطيني برمته قد يشهد انفجاراً داخلياً في ظل الأزمة التي تتوسع يوماً بعد يوم، وتزيد حدتها الإجراءات في كل من الضفة وغزة".

وقطعت السلطة الفلسطينية رواتب أسرى محررين وأسر شهداء وجرحى، إضافة إلى مقربين من حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، وعناصر من تيار القيادي المطرود من "فتح" محمد دحلان، ما أزّم الوضع الداخلي أكثر، وأعاد للأذهان حديثاً عن قرب إحالة كافة موظفي السلطة في غزة للتقاعد الإجباري للضغط أكثر على حركة "حماس".

وكانت صحيفة "العربي الجديد" قد انفردت يوم الخميس الماضي، بإعلان اتخاذ الرئيس محمود عباس سلسلة قرارات ضد قطاع غزة وحركة "حماس". وشملت القرارات فصل عشرات الموظفين، وهو ما تم في اليوم التالي، وسط حالة من الاحتقان الداخلي وصلت إلى أوجها هذه الأيام. ووسط هذه الحالة من الاحتراب والتراشق الإعلامي، غاب الدور المصري في تخفيف حدة الاحتقان، رغم قيامه أخيراً بخطوات عدة لمنع الانزلاق إلى الوضع الحالي.



ومن المقرر أنّ تجتمع قيادة السلطة وحركة "فتح" لاتخاذ مزيد من الإجراءات ضد غزة وحركة "حماس" في الأيام المقبلة، وفق ما أبلغ مسؤول بارز في السلطة "العربي الجديد". وأشار المسؤول إلى أنّ "الجميع ينتظر ظهور نتائج لقاء عباس والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الذي تم أخيراً، وعودة عباس إلى رام الله". مع العلم أن مصادر مصرية بارزة مطلعة على تفاصيل زيارة عباس إلى القاهرة، أكدت لـ"العربي الجديد" أنه "تأكد بشكل قاطع إغلاق ملف المصالحة الداخلية تماماً ووصوله إلى طريق مسدود، وفشل كافة المحاولات المصرية لإعادة إحياء مسار المفاوضات، خصوصاً بعدما قال عباس، إن المصالحة ماتت".

من جهته، قال الكاتب تيسير محيسن لـ"العربي الجديد" إن "المرحلة الحالية تعتبر الأسوأ في تاريخ الانقسام الداخلي الفلسطيني، فيبدو أن الجميع أمام مرحلة الفراق التام وإغلاق الملف"، مشيراً إلى "التصريحات القاسية التي خرجت من القيادات الفلسطينية، إلى جانب الإجراءات الجديدة عبر قطع رواتب المئات من الموظفين الجدد ورواتب الشهداء والأسرى الجرحى الفلسطينيين في القطاع".

وأضاف أنّ "غياب الوفد الفني المصري التابع للمخابرات المصرية عن المشهد السياسي الفلسطيني سواء بملف المصالحة الداخلية أو حتى التهدئة مع الاحتلال الإسرائيلي، دفع الفصائل للدخول على خط لعب دور الوساطة". ولفت إلى أن "هذه الفصائل لا تمتلك أوراق ضغط حقيقة على الطرفين (حماس وفتح) لوقف الحالة التي وصلت إليها الأمور حالياً، وتحاول بأن تخفض حالة الاحتقان القائمة على الساحة حالياً". وأشار إلى أنّه "حتى وإن نجحت الفصائل في الوصول لحل إلا أن حركة فتح لن تقبل به، خصوصاً أن قيادتها في غزة لا تمتلك قراراً حقيقاً إذ تسيطر شخصيات بعينها في الضفة الغربية على القرار".

ورجّح محيسن أن "السيناريو القائم حالياً هو محاولة من السلطة الفلسطينية إلى الصدام مع حركة حماس ميدانياً، سعياً منها لرفع حالة الاحتقان وأملاً بانفراط عقد الحالة الأمنية في القطاع، وصولاً لحالة الانهيار السياسي". وتابع قائلاً إن "السلطة ستحاول عبر هذا التأجيج إعادة سيطرتها على القطاع كلياً، في الوقت الذي تنحصر خيارات حركة حماس في التوجه نحو استخدام المزيد من القوة لضبط الحالة الأمنية أو الذهاب للتصعيد مع الاحتلال لإفراغ القطاع من حالة الاحتقان القائمة، وكلاهما خياران لهما نتائج عكسية".

من جانبه، وصف الكاتب طلال عوكل المشهد القائم حالياً بين "فتح" و"حماس" بـ"الحرب الباردة، مع تعطل كلي في طريق المصالحة منذ عدة أشهر نتيجة فشل الوساطات والحوارات الكثيرة". وأضاف في حديثٍ لـ"العربي الجديد" أنّ "استمرار تمسك كل طرف من طرفي الانقسام بموقفه بعد 12 عاماً على الانقسام، أوجد سلسلة من العقبات التي يصعب التغلب عليها والتي أوصلت الحالة الفلسطينية إلى طريق مسدود".

ورأى أن "المخرج الحقيقي لهذه الأزمة هو تراجع أحد الأطراف إلى الحدود التي يمكن من خلالها إعادة رسم المشهد السياسي من جديد وتحمل بعض الخسائر قبل أن يتفاقم المشهد إلى ما هو أسوأ"، لافتاً إلى أنّ "قطع شعرة معاوية بات واضحاً بين الحركتين في ظل الظرف الراهن، وفي ظل عجز الفصائل الفلسطينية الأخرى عن إعادتها لطريق المصالحة كون هذه الفصائل لا تمتلك القاعدة الشعبية الكبيرة".

ونبّه إلى أن "السلطة قد تذهب لإجراءات مثل التوقف عن دفع الأموال والتوجه لإجراءات سياسية كمحاصرة حماس في العلاقات الخارجية، وإعلانها تنظيماً فلسطينياً خارجاً عن الصف الوطني وغيرها من القرارات"، مرجحاً أنّ "تقوم فتح بالذهاب نحو تفعيل عملها التنظيمي في غزة عبر كوادرها وعناصرها ومحاولة التصدي لحركة حماس. وهو ما يعني إمكانية حضور سيناريو الفوضى في قطاع غزة".