تسليم جثامين الشهداء.. نحتفل أم نبكي؟

تسليم جثامين الشهداء.. نحتفل أم نبكي؟

16 يناير 2017
الصورة

جنين (ضياء العزاوي)

+ الخط -
كأن قادة الكيان الإسرائيلي ماضون في استخدام قضية جثامين الشهداء الفلسطينيين، المحتجزة لدى أجهزتهم، في لعبةٍ جديدة، بجعلها قضيةً كبرى ومستعصية، مع إقرارنا بأهميتها، ولتطغى على قضايا مصيرية كثيرة تشغل أبناء الشعب الفلسطيني. فاحتجاز قوات الاحتلال الجثامين أشهراً، ثم الأخذ والرد فيما يخص تسليمها أو عدمه، بيَّن أن الإسرائيليين يريدون لها أن تكبر، حتى تصبح قضية رأي عام، ينشغل بها الإعلام المحلي، ثم تنتقل إلى الإعلام الدولي، في شريط دراماتيكي، يبدأ بالتمنّع عن تسليم الجثامين، ثم المطالبة الواسعة بذلك، ثم المماطلة، ثم تسليم عدد منهم، بدلاً من تسليم كل العدد، مع عدم ممانعتهم تلقي بعض الإدانات والشجب. ومع تسليم أي عدد من الجثامين، ربما تريد إسرائيل من الأهالي أن يفرحوا بدلاً من أن يبكوا، لتنتقل فرحة الإنجاز إلى الجميع، يُراد منها أن تُنسي المآسي الأعظم، ويظهر معها مدى تجاوب إسرائيل مع المطالب الدولية، وربما تُكافأ ويُكافأ قادتها، وهو سيناريو ظهرت بعض ملامحه عند تسليم جثامين عدد من الشهداء، في الأيام الماضية، وما سبقه من نقاشات ومطالبات، وهو ما يمكن أن يتكرّر.
ومن إشاراتٍ تدل على أن إسرائيل تريد تضخيم هذه القضية، وجعلها تضاف إلى المنغصات والقضايا التي تزيد المصاعب في حياة أبناء الشعب الفلسطيني، النقاش بين وزير الأمن، أفيغدور ليبرمان، ورئيس قسم العمليات في جيش الاحتلال، الجنرال نيتسان ألون، وخلافهما حول سياسة تسليم جثامين الشهداء الفلسطينيين إلى ذويهم، في اجتماع أمني جمعهما في 7 ديسمبر/ كانون الأول الماضي. ففي حين ادّعى ليبرمان أن اعتماد سياسةٍ لاحتجاز الجثامين يحدث سياسةَ ردعٍ ويحدّ من وقوع عمليات طعن، أو غيرها من العمليات ضد الإسرائيليين في المستقبل، خالفه ألون، معتبراً أنه قد يكون لاحتجاز الجثامين دور عكسي، فيؤدي إلى تفجر الاحتجاجات في الضفة والقدس، بدلاً من منعها.
وهنالك عنصر لافت في القضية، يتمثل في حلول مطالبة إسرائيل بتسليم الجثامين محل المطالبة بتجريمها بسبب قتلها هؤلاء الشهداء، أو على الأقل إجبارها على تقديم توضيحات منطقية تترافق مع تحقيقاتٍ يدخل فيها أطراف دوليون للوقوف على حيثيات استهداف هؤلاء الأشخاص وقتلهم. وتلك قضية يلعب الإسرائيليون في حقلها، ويناورون فيه بمهارةٍ تحيل صاحب الحق مذنباً توجَّبَ عقابه. وبالتالي، يكون تعويض أهله بتسليمهم جثمانه وحسب. إضافة إلى ذلك، برزت مطالبات الأهالي السلطة الفلسطينية تقديم ملف احتجاز الاحتلال جثامين الشهداء إلى المحكمة الجنائية الدولية، لأن عدم تسليمهم لدفنهم وفق معتقداتهم يعتبر مخالفة للقانون الدولي. وهو أمر يُعتقد أن إسرائيل لا تمانعه، كونه يُحدِث هماً جديداً لدى الفلسطينيين، وملهاةً جديدة، يحتاج الدخول في زواريبها سنوات، فما بالك بالخروج منها. بينما تواصل هي، في هذا الوقت، قضم أراضي الضفة، وتشييد مستوطنات جديدة على أراضيها، وتهويد القدس، ساعة بساعة ويوماً بيوم.
ولنا في قضية المستوطنات الإسرائيلية خير مثال على قدرة إسرائيل على تصغير القضايا الكبيرة وإحلال القضايا الأقل أهميةً مكانها وجعلها قضية الساعة. فقرار إدانة الاستيطان رقم 2334 الذي أقره مجلس الأمن، في 23 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، يعد، على الرغم من أهميته، بديلاً عن قضايا كثيرة، أو قراراتٍ يجب طرحها وتبنيها، وجعل الدول المكونة المجتمع الدولي تُوجد آليةً للضغط على إسرائيل تجبرها على تنفيذها، وليس أقلها الانسحاب من المستوطنات والانسحاب من الضفة الغربية كلل وعودة اللاجئين. إضافة إلى ذلك، تبرز أهميةُ تبَنّي مجلس الأمن قراراً يعتبر بناء الجدار الإسرائيلي العازل بمثابة جريمة ضد الإنسانية، كونه يجعل الضفة الغربية جزراً متناثرة، ويحرم التواصل بين أهلها، ويمنع الأهالي من الوصول إلى أراضيهم الزراعية، ومن العمل فيها، ويسرق منابع مياههم، وهو ما يستدعي وَقفَه وهدمِ قسم كبير منه.
شهدنا في العقود الأخيرة تواضع المطالب الفلسطينية والعربية، فيما يخص الاحتلال الإسرائيلي، فبعد أن قامت الثورات، بهدف استعادة فلسطين، كل فلسطين، تراجعت هذه المطالب إلى الانسحاب إلى حدود ما قبل 5 يونيو/ حزيران 1967، أي الإقرار باحتلال إسرائيل ما أصبح يسمى أراضي 48. وهي بداية عصر التراجعات والتنازل عن الحقوق الذي ربما يصل، في المستقبل، إلى مجرد المطالبة بتسليم جثمان شهيد إلى أهله، ليسود الفرح والبهجة بهذا الإنجاز، بدلاً من سيادة الغضب في وجه القاتل، المحتل.