ترامب يستدعي نتنياهو.. غريق يستنجد بغريق

24 يناير 2020
الصورة
ترامب يدعو نتنياهو وغانتس إلى البيت الأبيض (Getty)
على عادته في لحظاته الصعبة المحفوفة بالمخاطر والخسائر، فاجأ الرئيس دونالد ترامب الخميس واشنطن، بإعلانه عن دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وخصمه الانتخابي بني غانتس إلى البيت الأبيض الأسبوع المقبل.

ظروف الدعوة فرضت على الفور ربطها بمحاكمة الرئيس الجارية أمام مجلس الشيوخ، كما جرى ربطها بموعد الكنيست الإسرائيلي الذي حدّد الثلاثاء المقبل للبت بموضوع حصانة نتنياهو، بما يفسح المجال لمحاكمته أمام القضاء بتهم الفساد الموجهة ضده. مبادرة ترافقت مع تسريبات بأن الإدارة تعتزم الكشف عن "صفقة العصر" التي تخول إسرائيل ضم المستوطنات، وتأكيد السيادة على منطقة غور الأردن، بما يوفر شحنة زخم انتخابي لنتنياهو، لا يقوى خصمه غانتس على رفضها، ما دامت تخدم مشروع التوسع الإسرائيلي؛ وفي ذات الوقت، تعطي الرئيس ترامب فرصة لخلط الأوراق، وتسجيل موقف سياسي رابح، يضمه إلى عدم إدانته المتوقع صدوره في مجلس الشيوخ أواخر الأسبوع المقبل، ما يوفر له أسبوعاً "حافلاً بالانتصارات"، ويتيح له الفرصة للانطلاق بعدها إلى حملته الانتخابية، من دون هاجس المحاكمة وهمومها. طموح يتطلع نتنياهو إلى تحقيقه بزيارته لواشنطن، وكأن كليهما يتوسل، من خلال اللقاء في البيت الأبيض، مساعدة الآخر لإنقاذه من الغرق، على حساب الحق الفلسطيني الذي حولته رئاسة ترامب إلى مكسر عصا.

لكن حسابات الرئيس ترامب قد لا تكون في محلها كما يشتهي. فبعد اليوم الثالث من جلسات محاكمته، بدأ يتبين أن الالتفاف على المحاكمة ليس بهذه السهولة. صحيح أن قوة الحجة لدى الادعاء لم تفلح حتى اللحظة في إحداث ثغرة، ولو رمزية، في صف الجمهوريين بمجلس الشيوخ ضد الرئيس. فالولاء الحزبي المطلق هذه الأيام في واشنطن متغوّل، ويتقدم، وإن بصيغ ملتوية، على القانون في "بلد القانون". لكن مداخلات الفريق الديمقراطي في اليومين الأخيرين، تنذر بخلخلة هذا التماسك، حسب ما تشير إليه التغييرات، ولو البسيطة حتى الآن، في وجهة رياح الرأي العام. مرافعاته وسرديته للوقائع التي جاءت محبوكة بمهنية عالية، ومعززة بالأدلة، ولو الظرفية، والوثائق، والمراسلات، وأقوال الشهود، استوقفت المراقبين بترابطها وجدارتها، وإن بدت مكررة ومملة أحياناً. ولذلك لم تحْظ فقط بمتابعة ملحوظة وفق مصادر الرصد، بل أيضاً "بتفهم" لحيثيات الادعاء، وقد انعكس ذلك في تزايد التأييد لمطلب الديمقراطيين باستدعاء الشهود الأساسيين، مثل مستشار الرئيس السابق جون بولتون، من 69% إلى 72%، كما ازدادت نسبة المطالبين "بمحاكمة الرئيس وعزله إلى 51%". وفي ذات الوقت، تركت المحاكمة أثرها على وضعه الانتخابي، بحيث صار بإمكان أي من الستةّ الأوائل من المرشحين الديمقراطيين، بمن فيهم الملياردير مايكل بلومبرغ، الفوز ضد ترامب بأكثرية تتراوح بين 48 و53%، في حين بقي رصيد الرئيس بحدود 44 إلى 45%.


أرقام أثارت قلق البيت الأبيض، الذي انعكس بفيض التغريدات الرئاسية التي ضربت الرقم القياسي في الأربع والعشرين ساعة الماضية. وخشيته أن تؤدي مجريات المحاكمة إلى حمل بعض الجمهوريين 4 أو 5، إلى التصويت الأسبوع المقبل لصالح استحضار الشهود المطلوبين، الذين من المفترض أن تكون بحوزتهم معلومات تقلب المعادلة ضد الرئيس، أو على الأقل تزيد من انكشافه، بما يؤذي حملته الانتخابية.
حتى الآن، يحتفظ فريق الرئيس في مجلس الشيوخ بوحدة صفّ صلبة، زعيم الأغلبية السناتور ميتش ماكونيل يشرف على ضبطها بصورة صارمة. تبدّى ذلك بوضوح منذ اليوم الأول، الثلاثاء الماضي، حين فرض اعتماد القواعد التي حدّدها للمحاكمة، والمصمّمة على قياسات عملية تنتهي لصالح الرئيس. أسقط 11 محاولة من الديمقراطيين لتعديلها، من دون أن يخرج سناتور جمهوري واحد عن الالتزام الحرفي بخطته، وفي ذلك رسالة مسبقة بأن المحاكمة التي فرضها مجلس النواب بأغلبيته الديمقراطية، لن تمر في مجلس الشيوخ الجمهوري بأكثريته.
مساء اليوم الجمعة، تنتهي المدة المخصصة للادعاء لعرض قضيته. السبت يأتي دور الدفاع، الذي من المتوقع أن تكون مهمته أقرب إلى محاولة تسخيف الادعاء، منها إلى الرد القائم على تفنيد حيثيات الاتهام. كما من المتوقع أن يختصر الوقت، وتدفعه إلى ذلك العجلة لتنفيس مطلب الشهود، بحيث ينتهي فيلم المحاكمة بأسرع ما يمكن وبأقل الخسائر.