ترامب ومفهومه الأحادي ــ التجاري للاتفاقيات الدولية: اتفاقية باريس المناخية نموذجاً

02 يونيو 2017
الصورة
تفكير تجاري ضيق حيال العلاقات الدولية (ساول لويب/فرانس برس)
+ الخط -
قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالانسحاب من اتفاقية باريس المناخية أحدث صدمة كبيرة في واشنطن، ولو أنه كان متوقعاً. القرار أثار الخشية لدى نخب واسعة من آثاره على دور أميركا وصدقيتها في العالم، كما على حجم حضورها الدولي الذي تقزّم بهذه الخطوة إلى حدود الوقوف إلى جانب دولتين فقط، هما سورية ونيكاراغوا، ضد الاتفاقية.

لكن كل هذه الاعتبارات لم يتوقف عندها الرئيس. الأخير علل موقفه بحيثيات واهية لا علاقة لها بالاقتصاد، على عكس ما زعم، وتدحضها الأرقام والدراسات العلمية الموثقة. بل إن انسحابه مضرٌّ بالاقتصاد الأميركي، كما بالبيئة، على المدى الطويل. ولذلك ناشده عدد وافر من كبريات الشركات ومنها من يعمل في مجال الطاقة، بعدم الانسحاب. لكن ترامب اختار العكس، ليس لأنه لم يقتنع بل لأن الدوافع الحقيقية لقراره سياسية، داخلية وخارجية. وهذه تحتل الأولوية في حساباته؛ خاصة في اللحظة الراهنة.


في الإطار الداخلي، أراد الرئيس أن يبدو بانسحابه هذا كمن أوفى بوعده الانتخابي؛ فقد أقدم على قرار سهل يتحكم به وحده دون الحاجة إلى موافقة الكونغرس، وأوحي به أنه يعني ما يقول في شعاره "أميركا أولاً". بذلك، استجاب لطروحات التيار القومي المنغلق الذي يمثله مستشار ترامب الاستراتيجي في البيت الأبيض، ستيفن بانون. من خلال هذا التوجه، عزّز التفاف المحافظين ومؤيديه حوله في هذا الوقت الصعب، وربما الخطير، الذي تمر به رئاسته المهددة بالتحقيقات والشبهات الروسية. ومثل هذا الالتفاف ورقة هو بأشد الحاجة إلى تعزيزها للاستقواء بها في وجه ما قد يهب عليه من عواصف ربّما تأتي بها الانكشافات المتوالية لقضية التدخل الروسي في انتخابات 2016.

ثانياً: أراد بالانسحاب محو توقيع آخر لسلفه باراك أوباما، وشطبه من سجل الإنجازات التي تحسب له. وليس خافياً أنه سعى من البداية لنسف ما أمكن من تركة أوباما، التي تشكل هذه الاتفاقية أحد بنودها الرئيسية.

لكن الدلالات الأهم للقرار تكمن في أبعاده الخارجية؛ فبانسحابه من هذه الاتفاقية الدولية، أراد التأكيد مرة أخرى على ترجمة مفهومه الأحادي - التجاري للاتفاقيات والالتزامات الدولية التي تكون أميركا طرفاً فيها. فهذه من وجهة نظره صفقة لا بدّ وأن تكون مربحة مالياً لأميركا، في لحظتها الراهنة وليس على المدى البعيد.

في قاموسه، لا مكان لاتفاقيات بالتزامات متبادلة، فهي ليست بخطين؛ بل يجب أن تكون الكلفة مادياً على جانب واحد. تجلّى ذلك في زعمه بأن اتفاقية باريس تحمّل أميركا كلفة مجحفة، في الواقع هي كلفة زهيدة مقارنة بمنافعها الاقتصادية اللاحقة، حسب معظم الخبراء والمعنيين، ومن بينهم حكام ولايات وعمدات مدن سارعوا إلى التنديد بالانسحاب مع التمسك بتطبيق بنود الاتفاقية في مناطقهم.

وكان من اللافت أن يعلن عمدة مدينة بتسبرغ، التي قال الرئيس إنه يمثل سكانها بالنسبة لهذه الاتفاقية وليس سكان باريس، على الفور أن مدينته مع الاتفاقية وضد الانسحاب.

هذا المفهوم ينسحب أيضاً على فكرة التحالف في ظلّ أميركا ترامب؛ فالحلف مع الغير، من وجهة نظره، هو حماية لهذا الأخير وعليه دفع الثمن. معادلة "نحمي، تدفع"، ردّدها مراراً في حملته الانتخابية، ويطبقها حتى مع شركاء قدامى تربطهم أحلاف راسخة مع واشنطن ومنذ منتصف القرن الماضي.

ففي عزّ التوتر الشهر الماضي مع كوريا الشمالية، التي هددت بالحرب، طالب ترامب كوريا الجنوبية، وهي الحليف الذي تحميه أميركا، بدفع كلفة نصب شبكة صواريخ أميركية مضادة لحماية العاصمة سول. كما لوّح بوقف الحماية عن دول "الناتو" التي لا تساهم بحصتها (2% من إنتاجها القومي) من الإنفاق العسكري للحلف. عاد وشدد على هذا الشرط في لقاء "الناتو" خلال اجتماع بروكسل الأسبوع الماضي. قرأت أنجيلا ميركل الرسالة جيداً حين أدركت بأن التعويل على أميركا قد يكون ولّى زمانه ولا بد من الاعتماد على النفس.

الانسحاب من اتفاقية باريس ينطوي على مثل هذا الإبلاغ الذي عبّرت عنه المستشارة الألمانية. درس برسم الآخرين.

المساهمون