ترامب في استعراضه الأخير: انسحاب كأنه لم يكن

09 أكتوبر 2019
الصورة
سلاح فرض عقوبات لم يستخدمه ترامب سوى لمصالحه(جابين بوتسفورد/Getty)
غرّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مجدداً خارج السرب، بعدما كرّر للمرة الثانية خلال عام نيته الانسحاب من سورية، محذراً أنه سوف "يدمر تماماً" من يسوّغ لنفسه استغلال هذا التهرب من المسؤولية، ما أثار حيرة إدارته التي بدأت العمل على استيعاب تداعيات هذا القرار والحدّ من ضرره على المصالح الأميركية. وجاءت الظروف المحيطة بقرار ترامب الأخير حول سورية، لتثبت مرة أخرى أنه لا يمكن أخذ قراراته المتقلبة بجدية، وأنه خسر مصداقيته بين حلفاء واشنطن وخصومها.
بعد تسعة أشهر من اتصال مماثل مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، كرّر ترامب السيناريو نفسه أخيراً، أي مفاجأة إدارته بقرار انسحاب من سورية، بعد تلويح أنقرة بعمل عسكري شرق الفرات. حينها لم يغادر أي جندي أميركي سورية، وتمّ وضع قرار البيت الأبيض بالانسحاب على الرف. فريق ترامب للأمن القومي، الذي تعاقبت عليه أسماء كثيرة، حاول شراء الوقت قدر الإمكان لتأجيل رغبة الرئيس الأميركي في الخروج من سورية. وكان هناك طرح لفكرة "الناتو العربي" التي لا أمل فيها، ثمّ كانت المباحثات الأميركية-الأوروبية التي فشلت في التوصّل إلى اتفاق حول إنشاء قوة فكّ اشتباك على الحدود التركية-السورية. كذلك انتهت الوساطة الأميركية بين الأتراك والأكراد قبل انطلاقها، فيما لم يكن هناك إجماع بالحدّ الأدنى في مفاوضات وواشنطن وأنقرة حول عمق المنطقة الآمنة شرق الفرات ومن يسيطر عليها.
خلال الفترة الأخيرة، تلاشى أمل أردوغان، الذي يتعرّض لضغوط داخلية لمعالجة قضية اللاجئين السوريين، بإنشاء منطقة عازلة شرق الفرات، بعد عدم تمكنه من تأمين اجتماع مع ترامب على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الشهر الماضي. ومثل غيره من المسؤولين العرب والأجانب، راهن أردوغان منذ فترة طويلة على تجاوز المرور عبر القنوات التقليدية مع واشنطن، والتحدث مباشرة مع الرئيس الأميركي، وقد نجح نسبياً في هذا التكتيك، لا سيما في حماية بلاده من عقوبات أميركية نتيجة صفقة شراء منظومة الدفاع "أس 400" الروسية.
وعندما ناور أو هدّد الرئيس التركي بأنّ هناك عملية عسكرية وشيكة، حصل على انتباه ترامب، وفرض حصول الاتصال الهاتفي بينهما يوم الأحد الماضي، والذي قرر ترامب خلاله التخلي عن المصالح الأميركية في سورية، وهي أيضاً خطوة مناورة أربكت أردوغان مثل ما حصل نهاية العام الماضي، لأنّ الأخير يفضّل سيناريو سحب واشنطن للمقاتلين الأكراد بدل اضطرار أنقرة لشنّ حرب عبر الحدود قد تكون واسعة النطاق ومكلفة مالياً وبشرياً.
في تشابه مع الاتصال بينهما في شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، كان الحديث بين ترامب وأردوغان في العموميات، ومبهماً، قبل أن يدخل المستشارون على الخط لتوضيح المواقف ووضع النقاط على الحروف. على سبيل المثال، حديث ترامب عن نقل سجناء "داعش" من السيطرة الكردية إلى السيطرة التركية ليس واقعياً في المدى المنظور.
وزير الدفاع الجديد مارك إسبر، تعلّم من درس سلفه جيمس ماتيس وتفادى المواجهة مع ترامب، بل أصدر بياناً توضيحياً باسم مساعده للشؤون العامة جوناثان هوفمان، في محاولة لتفادي تداعيات قرار ترامب على المصالح الأميركية في المنطقة. كذلك يبدو التنسيق واضحاً في هذا المجال بين وزارتي الخارجية والدفاع ومجلس الأمن القومي لإدارة رغبات رئيس هو الآن تحت ضغط العزل في قلب معركة لتجديد ولايته في الانتخابات الرئاسية.

وفي مؤتمر صحافي عبر الهاتف، بعد ساعات من تغريدات ترامب حول الانسحاب، ناقض مسؤولون في الإدارة موقف الرئيس وتحدثوا عن قرار بإعادة الانتشار، أي سحب 50 جندياً أميركياً من مواقع متقدمة على الحدود التركية-السورية. كذلك لمّح مسؤول أميركي إلى أنّ جيش بلاده لن يشارك أو يؤيد عملية التوغّل التركية شرق الفرات، من دون الإشارة بطبيعة الحال إلى أي نية أميركية لوقف هذا التوغل عسكرياً.
ما تأمل به وزارتا الدفاع والخارجية هو أن تفعل تهديدات الرئيس الأميركي فعلها بردع التوغّل التركي عن تجاوز الخطوط الحمر، لكنّ سلاح فرض عقوبات على الاقتصاد التركي لم يستخدمه ترامب سوى لمصالحه الانتخابية، أي عند الضغط على أنقرة لإطلاق سراح القس الأميركي أندرو برونسون في أغسطس/ آب من العام الماضي، وتجاهل تنفيذه في حالة حصول تركيا على منظومة "أس 400". وليس واضحاً بعد ما هي الخطوط الحمر الأميركية، أي ما هو عمق التوغل التركي الذي تقبل به واشنطن، وكيف سيعالج هذا التوغل المشاكل العالقة التي لم تحلها المفاوضات بين واشنطن وأنقرة. ومهما كان عمق التوغل التركي، ترامب يؤجل المشكلة ولا يعالجها، لأنه حين سيتوقف هذا التوغل في مرحلة ما، سيضع الأتراك نقاط تفتيش أو نقاطاً حدودية جديدة مقابل القوات الكردية، وستضطر القوات الأميركية مرة أخرى للانخراط في جهود لفك الاشتباك بين الطرفين.
ما يفعله ترامب عملياً هو مرة أخرى نقض إرث سلفه باراك أوباما الذي جمع في سياسته بين الدعم الأميركي للقوات الكردية، والفوائد الاستراتيجية لإبقاء تحالف واشنطن مع أنقرة. ومن هنا، إذا حصل فعلياً الانسحاب الأميركي، وهذا مستبعد حتى الآن، يكون ذروة تراكم ثماني سنوات من سياسة أميركية غير متماسكة في سورية باعتبارها ليست أولوية أميركية.
الفراغ الأميركي شرق الفرات يربك الجميع في سورية وليس تركيا فقط. فوزير الدفاع مارك إسبر اتصل بنظيره الروسي سيرغي شويغو للتنسيق، في الوقت الذي تستفيد فيه أنقرة من غياب التواصل بين واشنطن وموسكو. إيران عرضت أن تملأ الفراغ الأميركي وحذرت تركيا من توغل في شمال شرق سورية. الطرف الكردي يعيش أيضاً معضلة الاستمرار في التحالف مع أميركا أو التحول إلى موسكو وإجراء اتفاق مع النظام السوري. وتركيا لا يمكنها توسيع توغلها لأنها تحتاج إلى المجتمع الدولي لتمويل خطتها بإعادة اللاجئين السوريين إلى المناطق الحدودية التي قد تسيطر عليها، وبالتالي تحتاج إلى مقاربة تكون جامعة، بدل فرض واقع ميداني أو ديمغرافي قد لا يؤدي إلى ضمان الأمن والاستقرار على الحدود التركية-السورية.
ترامب اختصر موقفه من سورية في تغريدة قال فيها "نحن على بعد 7000 ميل"، وقوله ضمنياً إنّ سورية ليست مشكلة أميركا. بعد 18 عاماً من التورط الأميركي في أفغانستان، واشنطن تفاوض على انسحابها العسكري مع "طالبان" أي الحركة التي أطاحتها عام 2001. وبالتالي، ليس مستغرباً لماذا يبحث ترامب بين الحين والآخر عن استراتيجية خروج من سورية، لكن يأمل مستشاروه ألا يطول اهتمام الرئيس بهذا البلد، وينقل تركيزه في النهاية إلى مسألة خارجية أخرى أو أزمة سياسية جديدة في الداخل. لم يعد الانفصام بين ترامب وإدارته عبارة عن تنوع الآراء في المنظومة الأميركية، بل بدأ يعكس رئيساً تزداد عزلته الداخلية ولم يعد يؤخذ على محمل الجد خارجياً. سورية هي كبش فداء لرئيس أميركي ولايته مضطربة.

تعليق: