ترامب.. "هدية الربِّ" لإسرائيل أم لعنته علينا؟

29 مارس 2019
الصورة
+ الخط -
خلال زيارته، الأسبوع الماضي، الدولة العبرية، صرح وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، لمحطة التلفزة الأميركية المسيحية (سي بي أن نيوز)، بأنه "كمسيحي" يؤمن بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب "قد يكون هديةً من الربِّ لإنقاذ اليهود من إيران". سبقت ذلك تغريدة من ترامب، في يوم المقابلة، في الواحد والعشرين من مارس/ آذار الجاري، مهد فيها لإعلانه الرسمي اللاحق، في الخامس والعشرين من الشهر، باعتراف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان السوري المحتل. وحسب التغريدة: "بعد 52 عاما حان الوقت للولايات المتحدة أن تعترف بالكامل بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان التي تتسم بأهمية استراتيجية وأمنية بالغة لدولة إسرائيل والاستقرار الإقليمي". بقية القصة معروفة، حيث استقبل ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في البيت الأبيض، الاثنين الماضي، ليوقع له صكا بالجولان المحتل، كما سبق أن أعطاه القدس المحتلة، وكأنهما من العقارات التي ورثها عن أبيه يُقَسِّمُها ويوزعها كيف يشاء.
كثير يمكن أن يقال عن ترامب ونزقه وغروره وصلفه، بل وحتى تهوّره، فهذه صفاتٌ يطلقها عليه مساعدوه أنفسهم. ولكن ثمّة صفة أخرى يملكها لا يمكن التشكيك فيها، هي أنه قادر على اتخاذ قرارات حازمة، حتى ولو كانت متهورة وغير محسوبة بدقة، ومن دون أدنى اعتبار للتداعيات. وبعيدا عن سرد الأمثلة الكثيرة هنا، يقطع ما يقوم به ترامب في سياق الصراع العربي - الإسرائيلي مع قواعد راسخة في السياسة الأميركية على مدى عقود سبعة، كما في الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إليها، وأخرى عمرها عقود خمسة، كما في الاعتراف بالجولان تحت السيادة الإسرائيلية.
وانطلاقا مما سبق، على الفلسطينيين، بالدرجة الأولى، أن يشعروا بقلقٍ كبير مما تخبئه جعبة ترامب لهم، فهو سبق أن داس على كل التحذيرات حول قراره عن القدس، عام 2017، 
والعام الماضي، وثبت أنه محق، حيث لم تكن هناك ردة فعل فلسطينية وعربية صاخبة. ثمَّ أعاد الكَرَّةَ مرة أخرى، العام الماضي، فقطع المساعدات عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (أونروا)، لإرغامها على إعادة تعريف "اللاجئ" الفلسطيني، وَنَزْعِ هذه الصفة عن الغالب الأعظم من ملايينهم، ولم تكن هناك، أيضا، تداعياتٌ فلسطينية وعربية قوية. ويبدو أن الخطوة المقبلة ستكون الاعتراف بضم إسرائيل أراضي واسعة من الضفة الغربية. وربما يكون التقرير السنوي للخارجية الأميركية عن حقوق الإنسان في العالم، الصادر منتصف مارس/ آذار الجاري، وكان التمهيد الرسمي الأول للاعتراف الأميركي بسيادة إسرائيل على الجولان، قد مَهَدَ الطريق نفسها فيما يتعلق بالضفة الغربية. وقد نزع ذلك التقرير صفة الاحتلال عن الأراضي العربية التي تحتلها إسرائيل، بما فيها الضفة الغربية والجولان، وهو تقليد ظل سائدا في التصريحات والبيانات الرسمية الأميركية منذ عام 1967، إلى أن جاءت إدارة ترامب وألغته.
ما تفعله إدارة ترامب في سياق الصراع العربي - الإسرائيلي أنها تُسبغ شرعية القوة الأميركية على الحقائق التي تخلقها إسرائيل على الأرض، ثم تُحدث هي نفسها وقائع جديدة على الأرض، كما في القدس والجولان، لتبدأ بعدها محاولات إخضاع العالم لها. وبقراءة المؤشرات التي أرسلتها إدارة ترامب في ملفات القدس واللاجئين الفلسطينيين والجولان، يتضح أن "صفقة القرن" المتوقع إعلانها بعد الانتخابات الإسرائيلية، الشهر المقبل، ستكون إقليمية، تتوزّع الأعباء فيها على الفلسطينيين، وبعض الدول العربية، لتخفيف حجم "التنازلات" الإسرائيلية المقترحة. ولا يخفي مسؤولون أميركيون كبار يتحدّثون للإعلام، بشرط عدم كشف هوياتهم، أن إدارة ترامب تراهن على أن المحور المتنفذ عربيا، وتحديدا محور الرياض - أبو ظبي، قابل بكل اشتراطات "الصفقة" على حساب الحقوق الفلسطينية والعربية، وقابل بتمويلها، في مقابل مساعدتهم أميركيا وإسرائيليا في التصدّي لإيران في المنطقة، فضلا عن امتناع الولايات المتحدة عن اللعب بورقة حقوق الإنسان والديمقراطية التي تلوح بها في وجهوهم، للضغط عليهم كلما استدعى الأمر ذلك.
ليست هذه المقالة في وارد تقديم دلائل دامغة على الانحياز الأميركي لإسرائيل، فهذا يقين لا يحتاج إلى براهين. ولكن هذا لا ينفي أن هذه صفحة جديدة في العلاقات الأميركية - الإسرائيلية، إذ يحكمهما اليوم شخصان فاسدان ومتطرّفان. وحسب سياسيين إسرائيليين وخبراء أميركيين، تعمّد ترامب كسر القواعد الضمنية المتعارف عليها في العلاقات الأميركية - الإسرائيلية، واستقبال نتنياهو قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الصعبة التي يواجهها، وتقديم الجولان "هدية" له لتعزيز فرصه الانتخابية. ومن ثمّ لا تعجب عندما وضع نتنياهو ترامب في مصاف قادة تاريخيين، غير يهود، أسدوا خدماتٍ "للشعب اليهودي"، كالملك الفارسي قورش الكبير، ووزير الخارجية البريطاني الأسبق، آرثر بلفور، والرئيس الأميركي الأسبق، هاري ترومان.
وبعيدا عن الولايات المتحدة - إسرائيل، وترامب - نتنياهو، إننا مطالبون، نحن العرب 
والفلسطينيين، أن ننظر في المرآة. إننا نجني حصاد فشل مريع للدولة القُطرية العربية، والنخب السياسية الحاكمة، بأدوات القمع والفساد، لا بإرادة شعبية، ولا بناء على تصوّر تحمله، أو مشروع تحاول ترجمته واقعا. إن تواطؤ بعض الفلسطينيين والعرب في تفتيت المنطقة، وإضعاف مناعتها ثابتٌ لا يحتاج إلى تدليل. في فلسطين المحتلة، لم تعد الحقوق الفلسطينية تُنْتَقَصُ من أطرافها، بل أصاب السهم القلب. ومع ذلك، لا يزال الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة هو العنوان. وبدل أن ندين إسرائيل على حصارها القطاع، وأكثر من مليونين من سكانه، فإننا مضطرون إلى تجرع السُمِّ لإدانة السلطة التي تحمل صفة "الفلسطينية" في الجملة نفسها. يحدث ذلك، والقدس قد هُوِّدَت، والضفة على الطريق، و"السلام" الموعود قد شيّع إلى مثواه.
في سورية، الوحشية التي واجه بها النظام مطالب شعبه المشروعة عام 2011، وإفساحه المجال لسيطرة روسيا وإيران ومليشياتها، قادت إلى تمزيق البلد وإضعافها، وحولتها إلى ساحةٍ لحروب إقليمية ودولية بالوكالة. ولا توجد في سورية اليوم شرعية سياسية واحدة، يتفق عليها الجميع، سواء في الداخل أم في الخارج، وهو ما تلعب بورقته إسرائيل، عبر زعمها أنه لا يوجد طرفٌ يمكن التفاوض معه. المفارقة هنا أن يخرج علينا أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، ليعتبر أن القرار الأميركي يظهر استهتار ترامب بحلفائه من العرب، وليذكّرنا أن المقاومة هي الطريق للتحرير. يبدو أن نصر الله يتناسى عامدا هنا أن إيران ليست أقل تواطؤا في تمزيق سورية والمنطقة العربية، وأن بندقية حزب الله التي انحرفت بوصلتها ساهمت في تدشين الكارثة التي نعيشها، نحن العرب، اليوم.
قبل أن ندين الولايات المتحدة، ونتحدّث عن تهور ترامب وطيشه وتطرّفه، فلنملك الشجاعة وندن تهورنا وطيشنا وتواطؤنا، ولنضع خريطة طريق، لنخرج من مأزقنا الراهن المخزي، أو أن الأحداث لن تنتظرنا، وما زال الطوفان يتعاظم، وهو لا محالة جارفنا إن بقينا في طريقه، وإن لم نعدّ العدة لكسره واحتوائه. بغير ذلك، لن يكون ترامب "هدية الربِّ" لإسرائيل فقط، بل سيكون لعنة الربِّ علينا.