تراجع مالية مصر.. وجوائز دولية لوزرائها

23 سبتمبر 2019
الصورة
قدرة مصر على تحمل الديون ضعيفة للغاية (العربي الجديد)
في 29 أغسطس/ آب الماضي أعلنت وزارة المالية المصرية أن مجلة "غلوبال ماركتس" ستمنح جائزتها السنوية لأفضل وزير مالية على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لوزيرها محمد معيط، كما ستمنح وحدة إدارة الدين العام بالوزارة جائزة أفضل وحدة لإدارة الديون السيادية، وأن الوزير ومسؤولي الوحدة سيتسلمون جوائزهم على هامش اجتماعات الصندوق والبنك الدوليين في أكتوبر/ تشرين الأول القادم.

هل استحق الوزير ونوابه هذه الجوائز لإعلانهم منذ أسابيع مضت عزم مصر على التقدم ببرنامج جديد للتفاوض مع صندوق النقد، وأن النقاش حوله سيكون في أكتوبر؟

في اليوم التالي لإعلان وزارة المالية عن جوائزها للوزير ووحدة الدين العام، جاء تقرير وكالة موديز ليعلن أن "قدرة مصر على تحمل الديون ضعيفة للغاية" وأن "قدرة مصر على تحمل عبء الديون ستبقى ضعيفة جدا، وحاجات التمويل ستكون كبيرة جدا على مدار الأعوام القليلة القادمة"، وأضافت موديز أن تصنيفها الائتماني لمصر "عند B2، يعكس ضعف التمويل الحكومي والاحتياجات التمويلية الضخمة للغاية، مما يعرضها لخطر تشديد شروط التمويل المحلية أو الخارجية، أي رفع أسعار الفائدة".

ونستنتج من نتائج موديز أن جوائز وزير المالية ونوابه ليست أكثر من مجاملة برتوكولية، على هامش مؤتمر الصندوق والبنك الدوليين، بمناسبة إنهاء البرنامج المتفق عليه بين حكومة مصر والصندوق في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، وهو سلوك معتاد من قبل مثل هذه المؤسسات.

وللأمر شواهد سابقة، حيث فاز يوسف بطرس غالي، وزير المالية إبان عهد مبارك، بجائزة يورومني كأفضل وزير مالية في الشرق الأوسط خلال عامي 2005 و2006، وتسلم الجوائز أيضًا على هامش مؤتمرات الصندوق والبنك الدوليين، على الرغم من أن أوضاع المالية العامة في ذلك التاريخ كانت آخذة في التدهور.

وإذا كانت نتائج "غلوبال ماركتس" لمنح معيط جائزة أفضل وزير مالية في الشرق الأوسط قد اعتمدت على استطلاع للرأي من قبل وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية ومسؤولي المنظمات الدولية والقطاع الخاص، فإن الشريحة لا تعبر عن المجتمع المصري، ولكنها تعبر عن توجهات الصندوق والبنك الدوليين.

والاستطلاع الحقيقي لتقويم أداء وزارة المالية المصرية يأتي من رجل الشارع، الذي يعاني من أعباء معيشية صعبة، وأصبح يشكو سياسات رفع أسعار السلع والخدمات، وتخفيض الدعم، الذي أقرته وزارة المالية، ووزيرها المكرم كأفضل وزير مالية.

إن سياسة المالية المصرية بالتوسع في الدين العام، تثير مخاوف شريحة كبيرة داخل المجتمع، فجرأة الحكومة على الاستدانة غير محسوبة، على الرغم من جرس الإنذار الدائم بالموازنة العامة، والذي يشير إلى تفاقم الدين العام بمكونيه (المحلي والخارجي)، فضلًا عن أعباء الديون التي وصلت إلى 569 مليار جنيه في موازنة 2019/ 2020، وهي قابلة للزيادة بعدما وصل الدين الخارجي لمصر في مارس/ آذار 2019 إلى 106 مليارات دولار.

بلا شك أن مانحي الجائزة للوزير المصري يعلمون بأن تفاقم أعباء الدين من أقساط وفوائد يشل يد صانع السياسة المالية في توزيع مخصصات الموازنة العامة، ويحرم شريحة كبيرة من المجتمع من زيادة الإنفاق على القطاعات الضرورية والمهمة، من تعليم وصحة وبنية أساسية.

غياب المعايير الحقيقية

إن المعايير الحقيقية لإدارة الدين، والتي كان من المفترض أن ينظر إليها القائمون على أمر المجلة وغيرها من مؤسسات العلاقات العامة، والتي تتخذ من علاقاتها بالمؤسسات الدولية غطاء لنشاطها التسويقي، أن تعي أن وزارة المالية المصرية ووزيرها فشلا في إدارة الدين العام، ويمكن رصد مظاهر الفشل في الآتي:

- غياب المشاركة المجتمعية، وكذلك غياب الدور الرقابي من قبل مجلس النواب على أعمال وزارة المالية وسياساتها التي أرهقت شريحة كبيرة من المجتمع، حتى أن البنك الدولي في إبريل/ نيسان 2019 ذهب في بيانه إلى أن 60% من سكان مصر فقراء أو معرضون للوقوع في الفقر. 

فالإجراءات التقشفية القاسية التي نفذت على المجتمع، لم تمس السلوك الحكومي شديد البذخ خلال فترة تنفيذ برنامج صندوق النقد الدولي منذ نوفمبر 2016، ولا أدل على ذلك من مؤتمرات الشباب في منتجعات شرم الشيخ، وإقامة القصور والاستراحات لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، سواء في العاصمة الإدارية الجديدة أو في المدن الساحلية السياحية.

- تركز تقويمات صندوق النقد الدولي وخبرائه والملتفين حوله، مثل القائمين على "غلوبال ماركتس"، على ما يسمى استدامة الدين العام، أي القدرة على سداد أعباء الديون من أقساط وفوائد، دون النظر إلى الطريقة التي يتم بها التصرف في هذه الديون، والعائد منها على المجتمع، ومدى جدواها اقتصاديًا واجتماعيًا، ولا يعون كذلك الكلفة التي تتحملها مصر اجتماعيًا واقتصاديًا لقضية استدامة الديون، فما تم من السيطرة على الأصول المالية لقطاع الأعمال العام والحكومة من خلال قانون مصر السيادي، شيء مخيف، حيث مكن القانون إدارة الصندوق من الحق في الاستيلاء على أصول هذه المؤسسات، ليتصرف فيها بالبيع أو الإيجار أو الشراكة مع الغير، دون الرجوع لمجلس النواب.

والمتابع لشؤون المالية العامة في مصر، يجد أن وزارة المالية لم تقدم على مدار العقود الثلاثة الماضية أي تصور لمعالجة قضية الدين العام، وأن ما يتم في البيان المالي لموازنة كل عام هو بمثابة مجرد تدوير للديون، وتحول قصير الأجل منها إلى طويل الأجل، وأن يتم الاقتراض لسداد الديون القديمة، ويأخذ منحى الديون في تصاعد مستمر.

الكبار لا يحاسبون

في داخل الدولة المصرية، وكذلك في المؤسسات الدولية، الكبار لا يحاسبون، ففي مصر لم تجر أي محاكمة سياسية لمسؤولين تسببوا في توريط المجتمع في مشكلات اجتماعية واقتصادية على مدار تاريخ الدولة الحديثة، منذ عهد محمد علي وحتى الآن، بل العكس، يكرمون، ويظل الإعلام يذكرهم وكأنهم أصحاب أمجاد.

ولقد رأينا مسؤولي عهد مبارك وهم يبرأون في المحاكمات، وعادت إليهم ثرواتهم وقصورهم التي حصلوا عليها بطرق ملتوية وفي ظل مناخ شديد الفساد.

ولم تبق للمجتمع سوى بعض النكات أو الكتابات الساخرة، بينما أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية في انحدار مستمر.

أما الكبار بالمؤسسات المالية الدولية، فهم محصنون بقواعد العولمة، التي اعتمدت في جوهرها على أن لا يخضعوا للمساءلة، وكانت هذه من أكبر المآخذ على انطلاق العولمة في بداية التسعينيات من القرن العشرين، ولذلك من يحاسب المؤسسات المالية الدولية؟ لقد أوقعت سياساتها المجتمعات التي طبقت برامجها في العديد من المشكلات.

وفي الختام، لقد ذهب يوسف بطرس غالي بجوائزه المتعددة، من قبل مؤسسات إقليمية ودولية، لكن بقيت مشكلات مصر المالية والاقتصادية تتفاقم من بعده، وكذلك محمد معيط يستقبل جوائزه الدولية، وسوف يرحل، ومصر تعاني من خلل اجتماعي كبير، حيث اتسعت الفجوة بين شرائح المجتمع ماديًا، وزادت معاناة الطبقة المتوسطة، واستقبلت الطبقة الفقيرة في مصر نحو 5 ملايين فرد من الطبقة المتوسطة، في أقل تقدير، نتيجة لتطبيق توجهات صندوق النقد، وذلك وفق تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء عن نتائج مسح الدخل والإنفاق للأسرة المصرية في 2019.