تدوير المتهمين في مصر: "تكاليف الظلم ومخلفات العدالة"

19 فبراير 2020
الصورة
إعادة التدوير نهج يشير إلى سلطة الأمن الوطني (Getty)

أصدرت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان (منظمة مجتمع مدني مصرية) ورقة حقوقية عن إخلاء سبيل متهمين ثم حبسهم على ذمة قضايا جديدة أو ما يعرف بـ"التدوير"، ذكرت فيها أن "أصل الفكرة مبتكر في الصناعات الحديثة توفر التكاليف وتقلل من مخلفات عملية الصناعة، إلا أنها في مصر تحولت إلى واحدة من آليات جهاز العدالة، وعلى عكس سمتها في مجال الصناعة، يزيد تدوير الظلم من تكاليف ومخلفات العدالة".

وقالت الشبكة إن مصطلح التدوير يستخدم للإشارة إلى حالات يصدر فيها قرار بإخلاء سبيل سجين سياسي أو سجين رأي، وهو قرار يتأخر عادة، وبعدما يدخل المعتقل في إجراءات إخلاء السبيل التي تتخللها فقرات غير قانونية، يفاجأ بعرضه أمام النيابة متهما في قضية جديدة، ربما بنفس الاتهامات القديمة، أو اتهامات جديدة، وربما في قضية بدأت أثناء سجنه بالأساس ويستحيل عمليا مشاركته فيها، وربما في قضية حديثة العهد. وقد ينال المعتقل حريته لبضعة أيام أو شهور قبل أن يعاد القبض عليه وسجنه من جديد، وربما لا يرى شمس الحرية ولو لساعة فيجد نفسه محولًا للسجن من جديد.

وعن تحديد الإجراءات بعد قرار النيابة بإخلاء السبيل، قالت الشبكة إنه في القضايا التي لا تزال قيد التحقيق، يكون المتهم محبوساً احتياطياً بقرار من النيابة، حتى يتم إخلاء سبيله على ذمة القضية، سواء بإجراء احترازي أو بضمان. عند تلك المرحلة ثمة المفترض القانوني، والواقع الذي يحدث.

وعن الإجراءات القانونية المفترضة، قالت الشبكة "يصدر قرار إخلاء السبيل من النيابة أو المحكمة ومنطوقه كالتالي: يخلى سبيل المتهم -بضمان أو إجراء احترازي- إن لم يكن مطلوبًا على ذمة قضايا أخرى. ويرسل السجن أوراق المتهم المخلى سبيله إلى النيابة التي تباشر التحقيق في القضية، لختمها ويسمى هذا بصحة الإفراج. ثم يرسل المتهم بصحة الإفراج إلى قسم الشرطة التابع له محل إقامته، ويتم فحص المتهم المخلى سبيله جنائيا من قبل قسم الشرطة للتأكد من خلو صحيفته الجنائية من الأحكام واجبة النفاذ أو الطلب لقضايا أخرى. ويتم إخلاء سبيله من قسم الشرطة. وهذه الإجراءات هي الواقع القانوني، الذي يفترض أن يتم في مدة أقصاها يومان من قرار إخلاء السبيل".

لكن ما يحدث من خطوات في الواقع، وفقاً للشبكة فإنه "بعد قرار إخلاء السبيل من النيابة، تستمر باقي الخطوات بشكل طبيعي، وصولاً لمرحلة نقل المخلى سبيله إلى القسم التابع له. في أغلب الأوقات يتم نقل المخلى سبيله إلى القسم التابع له في الوقت الطبيعي، إلا أنه في بعض الحالات تم تأجيل نقل المتهم إلى القسم بأعذار غير منطقية، مثلما حدث مع الصيدلي اليساري جمال عبد الفتاح وعدد من النشطاء السياسيين الذين تم إخلاء سبيلهم بقرار من النيابة، في 22 يوليو/تموز 2019، ولم يتم نقلهم من السجن إلا بعد بضعة أيام، ثم مكثوا في الأقسام لمدة تجاوزت الثمانية أيام. ثم بعد نقل المخلى سبيله إلى القسم التابع له، ندخل في مرحلة غير قانونية لكنها أصبحت روتينية لكافة المتهمين المخلى سبيلهم على ذمة قضايا أمن دولة، وهي انتظار تأشيرة الأمن الوطني. وانتظار تأشيرة الأمن الوطني، هو إجراء غير قانوني حيث ينتظر المتهم تأشيرة (موافقة) من الأمن الوطني، قد تصل خلال عدة أيام وقد تصل خلال شهر أو أكثر، ويظل المتهم محتجزًا في قسم الشرطة، أو يتم نقله لأحد مقار الأمن الوطني، وتكون تلك الفترة فترة احتجاز غير قانونية وغير مثبتة باﻷوراق".

وردّاً على سؤال كيف ومن أين يتم إدراج متهم على ذمة قضية جديدة، قالت الشبكة "في الفترة التي يتم فيها انتظار تأشيرة الأمن الوطني، يقوم جهاز الأمن بفحص ملف المتهم، وتقرير ما إذا كان سيسمح بإخلاء سبيله أم لا، وفي كثير من الحالات يلتف الأمن الوطني على قرار إخلاء السبيل، بأن يعيد تدوير المتهم في قضية جديدة، وتحويله مرة أخرى للنيابة بمحضر تحريات فقط، وتقوم النيابة بحبسه بالفعل، وعليه فإن المتهم قبل أن يتم إخلاء سبيله يكون قيد الحبس مرة أخرى على ذمة قضية جديدة".

وصنّفت الشبكة الحالات التي يعاد فيها تدوير المتهم إلى نوعين رئيسيين: الحبس احتياطيا على ذمة قضية جديدة، قبل الخروج فعليا من الحبس. وإعادة إلقاء القبض على المتهم مرة أخرى على ذمة قضية جديدة، بعد تنفيذ قرار إخلاء السبيل بعدة أسابيع أو شهور.

وعرضت الشبكة عشرات الأمثلة لكل حالة. منهم إبراهيم متولي، المحامي الحقوقي ومؤسس رابطة أسر المختفين قسرياً، التي أسسها بعد اختفاء ابنه من فض اعتصام رابعة العدوية. وهو محبوس منذ 2017 في حبس انفرادي بسجن العقرب، ويعاني من مشاكل صحية تزداد بسبب ظروف احتجازه القاسية، وبعد إخلاء سبيله في القضية الأولى تمت إعادة تدويره في قضية جديدة، بدأت أثناء تواجده بالسجن الانفرادي.​

كما رصد التقرير تدوير متهمين آخرين، مثل علا القرضاوي وأحمد بيومي وعبد المنعم أبو الفتوح وشادي أبو زيد ومهاب الإبراشي ومحمد أكسجين ومحمد حمدون وسامح سعودي.

وخلصت الورقة الحقوقية إلى أن "الحالات المرصودة سابقاً ما هي إلا عينة ضمن عشرات الحالات الشبيهة، لمسجوني رأي تمت إعادة تدويرهم في قضايا مرة أخرى بعد إخلاء سبيلهم في القضية الأولى، تحايُل من الأمن الوطني على القانون، فلم يكفِ استخدام الحبس الاحتياطي المطول كعقوبة للمعارضين السياسيين، إنما أصبحت إعادة التدوير نهجاً يشير إلى سلطة الأمن الوطني التي تجاوزت يد القانون".

تعليق: