تحفظ مصري على مقترحات أفريقية لتحريك مفاوضات سد النهضة

19 سبتمبر 2020
الصورة
هناك خمس قضايا عالقة بشأن السد (إدواردو سوتيراس/فرانس برس)
+ الخط -

قالت مصادر دبلوماسية وحكومية مصرية، لـ"العربي الجديد"، إن مفوضية الاتحاد الأفريقي أرسلت إلى كل من مصر والسودان وإثيوبيا مسودة بأجندة مقترحة للجولة المقبلة من مفاوضات قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، تمهيداً لتحديد موعد جديد، بدعوة من الاتحاد الأفريقي، بعدما امتنعت القاهرة والخرطوم عن الاستجابة لدعوة منفردة أطلقتها أديس أبابا الأسبوع الماضي، لاستئناف المفاوضات، واعتبرتها المصادر "مفتعلة" لمحاولة اصطناع حرص إثيوبيا على حل الأزمة بشكل عاجل.
وأضافت المصادر أن المسودة الأفريقية لاستئناف المفاوضات تتضمن تغييراً لترتيب الدول الثلاث للتفاوض خلال الجولات السابقة. فبعدما كانت الاجتماعات، في مرحلة التفاوض عن بعد عبر اجتماعات الفيديو، تبدأ بالمسائل الفنية، يقترح الاتحاد الأفريقي هذه المرة البدء بالقضايا القانونية العالقة، على ضوء ما تم الاتفاق عليه في القمة الأفريقية المصغرة الأخيرة، بهدف الحسم السريع للخلافات الواسعة على المستوى القانوني الذي تتطابق فيه الرؤى المصرية والسودانية، وتتعدد فيه محاولات إثيوبيا للتهرب.

يقترح الاتحاد الأفريقي هذه المرة البدء بالقضايا القانونية العالقة

وأوضحت المصادر أنه على الرغم من الميل الأفريقي المحسوس منذ بداية المفاوضات لموقف إثيوبيا، إلا أن محاولاتها للالتفاف على الاتفاق السابق بأن يكون ملزماً، أوجد رفضاً عاماً من المراقبين، وليس فقط من الوفدين المصري والسوداني لمزاعم أديس أبابا بأن الإلزام يقتصر فقط على اللجوء الإلزامي لفض المنازعات، دون أن تُرتب عليها أي مسؤوليات حال عدم الالتزام، باعتباره قصداً يخالف تماماً النص الواضح لبيان القمة المصغرة والمسار الطبيعي للمفاوضات.
وإلى جانب عدم التوافق على مدى إلزامية الاتفاقية التي سيتم توقيعها، يحاول الاتحاد الأفريقي تقديم مقترحات للتوصل إلى آلية فض المنازعات التي ستنشأ مستقبلاً حول تشغيل السد والملء، حيث يعرض نفسه كوسيط يمكنه تقديم حلول ملزمة لجميع الأطراف، وهو ما تتحفظ عليه مصر، وترى أنه من الأفضل تشكيل لجنة لفض المنازعات بعضوية الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة وطرف ثالث مثل الاتحاد الأوروبي أو دولة أخرى.

أما بالنسبة لرغبة إثيوبيا في تحويل الاتفاقية إلى اتفاق للمحاصصة في مياه النيل، وإلغاء اتفاقية 1959 بين مصر والسودان، فيقترح الاتحاد الأفريقي تضمين هذه المسألة في بروتوكول ملحق بالاتفاق، على أن يتم التفاوض حولها في مرحلة لاحقة بوساطة الاتحاد أيضاً، وباعتباره شأناً داخلياً أفريقياً، مع انضمام الدول الأخرى بحوض النيل، وهو ما لا ترغب فيه مصر أو السودان بطبيعة الحال. لكن إقرار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بإمكانية فتح نقاش حول المحاصصة، خلال القمة المصغرة الأخيرة، يجعل الخيارات المصرية للتهرب من مقاربة هذه القضية محدودة، ويقصرها على المطالبة بالتأجيل، والتشبث بعدم خلط الأوراق والمزج بينها وبين اتفاقية السد.
كما يقترح الاتحاد الأفريقي الاستجابة للمطالبة الإثيوبية بموافقة مصر والسودان على إقامتها مشاريع مائية أخرى على مجرى النيل الأزرق، وتطبيق القواعد الاسترشادية الخاصة بسد النهضة عليها، باعتبارها ستكون مادة ضامنة لاستمرار التفاوض بين الدول الثلاث وعدم التصرف الأحادي أو العدائي من قبل أي طرف. لكن القاهرة ترفض الأمر بشكل حاسم - حتى الآن - إذ تتخوف من استغلال أديس أبابا للموقف، واعتباره موافقة مسبقة على بياض على إنشاء سدود أخرى، ربما تفيد الخرطوم، ولكنها ستزيد الأضرار الواقعة على مصر بالتأكيد، وبالتالي تطالب بالتعامل مع كل حالة على حدة.

طلبت وزارة الخارجية المصرية من العواصم المهتمة بالقضية مساعدة فنية لإيجاد حلول واقعية للمشاكل العالقة

وبالتزامن مع هذه الخطوة الأفريقية، التي ما زالت محل دراسة داخلية في العواصم الثلاث، أجرت وزارة الخارجية المصرية اتصالات بالعواصم المهتمة بالقضية، مثل واشنطن وبكين وموسكو وباريس، لعرض الموقف الحالي عليها وطلب المساعدة الفنية لإيجاد حلول واقعية للمشاكل العالقة، وخصوصاً أن بعض العواصم كانت قد وعدت بالضغط على أديس أبابا لتحريك إرادتها السياسية نحو الحل منذ فترة، ولم يتحقق ذلك. وأوضحت المصادر أن جميع الردود تتجه نحو الطمأنة بعدم قبول تلك الدول بإلحاق أي ضرر بمصر، مع تعهد الصين تحديداً بتوفير المساعدات اللازمة لعلاج أي قصور في احتياجات مصر المائية، امتداداً للمساعدات التي تقدمها بكين باضطراد في عهد السيسي. لكن مصر طالبت بالتركيز أكثر على حلحلة الموقف الإثيوبي في الفترة الحالية، مشددة على أن الإرجاء الإثيوبي المستمر لحل الأزمة ووضع العراقيل يهدف لإهدار ما تبقى من العام الحالي، ومواجهة مصر بتطور جديد في إنشاءات السد ووضعه الفني قبل البدء في إنتاج الكهرباء تجريبياً بين الشتاء والربيع المقبلين.
وعقب فشل الجولة الماضية، قال وزير الري والموارد المائية السوداني ياسر عباس، إن التوصل لاتفاق بشأن سد النهضة يحتاج إلى إرادة سياسية، وإن استمرار المفاوضات بصيغتها الحالية لن يقود إلى تحقيق نتائج عملية، مقترحاً دوراً أكبر للخبراء والمراقبين في التوصل لهذه المسودة المدمجة. وذكرت مصر والسودان أن الدول الثلاث توافقت على اختتام جولة المفاوضات دون التوافق على مسودة الاتفاق المدمجة، والتي كان من المفترض تقديمها لرئاسة الاتحاد الأفريقي يوم الجمعة في 28 أغسطس/ آب الماضي، كما سيترك الخيار لكل دولة من الدول الثلاث بمخاطبة رئاسة الاتحاد الأفريقي بشكل منفرد.
وعلى المستوى الفني ما زالت هناك خمس قضايا أساسية عالقة تتعسف فيها إثيوبيا مع مصر والسودان، هي: عدم وضوح برنامج الملء المستمر والدائم للسد، وحجم التدفق اليومي من السد والذي سيصل إلى سد الروصيرص بالسودان حتى لا تتأثر السلامة الإنشائية للأخير. كما لم يتم الاتفاق حتى الآن على حجم التدفق العام في فترات الجفاف والجفاف الممتد، والذي تقترح مصر أن يكون 37 مليار متر مكعب، كرقم وسط بين ما تطالب به إثيوبيا وهو 32 ملياراً وما كانت تطالب به مصر وهو 40 مليار متر مكعب، على أن يُترك الرقم الخاص بأوقات عدم الملء والرخاء لآلية التنسيق بين الدول الثلاث. كما لم تقدم إثيوبيا خطتها للاستخدامات الخاصة للمياه، سواء كانت مخصصة لإنتاج الطاقة الكهربائية أو الزراعة أو غيرها. وأخيراً ضرورة الاتفاق على معايير قياس امتلاء سد النهضة (وسد السرج الاحتياطي المجاور) مجتمعين، والربط بينه وبين سد الروصيرص والسد العالي، وهي مسألة تراها مصر ضرورية، في حين تراها إثيوبيا مدخلاً للربط بين السدود وهو ما ترفضه.