تجوال قرب وادي الجحيم

03 نوفمبر 2019
الصورة
"وادي جهنم" في القدس المحتلة (غيتي)
+ الخط -

أستيقظ على مشارف الظهيرة. سرير أخي فارغ. لقد ذهب ليشتري بعض الحاجيّات للأولاد، كما أخبرني أمس. أمامي فرصة لأعيش تجربة الظهيرة في هذه النواحي، بعدما عشتها في الصحراء، وفي سهل غزة الساحلي: بعدما عشتها في الحقول المترامية، وفي الأحراش، وعلى حجر أمام النيل ودجلة. إنّ في هذا الوقت، لسِرّاً يندهني أينما حللت.

أخرج وأتمّشى: أنزل منحدر الجبل، وأحاول الابتعاد عن الناس ما أمكن. ثُم هناك، في منطقة لا أعرف اسمها، أجلس. شمس القدس وديعة نوعاً، ومع ذلك، أغوص في ما أرى من مساحات على مدّ البصر. مساحات من جبال خضراء وأخرى جرداء. لم تأخذني التجربة: ينقصها شيء من الشعور الكثيف، والاندماج.

أقوم عائداً، وأغيّر الطريق، لأمتحن نفسي. فأنا مصاب بعمى المكان، وأعرف قلة انتباهي لعلامات الطوبوغرافيا. ومع هذا، أصل أخيراً، وأندمج في مشاهد متفرقة حولي، حيث المدارس والأسواق، والسابلة.

أعبّ هذه المشاهد عبّاً. في محاولة لئلا تفلت من ذاكرتي بعد ذلك.

من يدري؟ ربما لا أراها ثانية.


النزول إلى وادي الجحيم

أعجبتني التسمية، فأخذت زميلين من المرافقين الخبيرين بالمنطقة، وغامرنا، فانحدرنا من رأس الجبل، نحو البلدة القديمة، لنرى هذا الوادي المُسمّى وادي قدرون أو وادي الجحيم. إنه يفصل جبل الزيتون عن القدس من الناحية الشرقية. مثلما يفصلها وادي جهنم من جنوبها الغربي. وقيل لي إنه كان عبارة عن مجمّع للمقابر، في الزمن القديم.

والحقّ أنّ ما شدّني لزيارته، هو رواية صديقي أحمد رفيق عوض، التي لها العنوان نفسه: "قدرون". ثمّ إنّ الجحيم كلمة مغرية، بخاصة إذا كان مرئياً وعلى الأرض!

هبطنا ومشينا حتى تعبنا وأخذنا الإرهاق كل مأخذ. فمن طلعة إلى نزلة، ومن نزلة إلى طلعة، ويا قلب لا تفرح. رأينا كنائس كثيرة مجهولة الاسم والتاريخ لنا. ومررنا عن "شرطة" إسرائيلية، فانتابني خوف مستوطن، لكن ربك ستر.

عدنا من حيث أتينا، ولم نكمل الرحلة. فالمسافة ليست هيّنة، وثمة ربما مفاجآت غير سارة.

في الفندق قال أحدهم، إنّ البابا بنيدكتوس السادس عشر أشرف على قداس احتفالي ضخم في هذا الوادي، حين زار الأراضي المقدسة مؤخراً. يا عمّ! تدخّلت سائحة بريطانية شابة، وتكلّمت بحماس وحمية عن هذه الزيارة "التاريخية".

أنظر إلى ملامحها، وأقول في نفسي، إنها مترفة! لم يبق لها من كل هموم هذه الدنيا، إلا الحديث بافتتان عن البابا والماضي. يا ماري، وهذا هو اسمها، إنّ المرء ليَلجأ إلى الدين، لسببين غالباً: إما الفقر والعجز، أو الترف! وواضح أنك خالية البال، لذلك أنا أغبطك! وضحكنا. ومن غريب، أنها استحت وفتنتني بهذا الحياء الأنثوي المغوي. تلاطفت معها عبر مترجم، وسُررت جداً، حين اكتشفت فيها قارئة جيدة للأدب.

أخيراً، هاأنذا أجد واحداً في هذا الفندق، قريباً من اهتماماتي.

كان هذا مدخلاً لصداقة خفيفة نشأت بيننا، في ما بعد. فكلما التقينا صدفة، على السلّم أو تحت أو على الباب الخارجي، تبادر هي وتنادي موظف الفندق، ليترجم بيننا.

كلمتها عن كونراد وروايته التي لم تعجبني كثيراً، رغم كل ما قيل عنها - رواية "قلب الظلام". حتى أنني اقتنيتها ثم أهديتها لشاعر نابلسي زارني في غزة.

بادلتني نفس الانطباع: رواية ممتازة، بيد أنها لا تناسب مزاجي. قالت.

- إذاً اتفقنا!

وفي ليلة أخرى، ذهلتُ من مدى معرفتها في آداب العالم. ذكرت لي أسماء مؤلفين وروائيين وشعراء، يابانيين بالأخصّ، لم أسمع عنهم.

- لماذا لا تكتبين؟

- وما أدراك؟

- ماذا تعنين؟

- إني أكتب، إنما لنفسي فقط.

جيد أنني خرجت من وادي الجحيم، بصداقتك يا ماري! وضحكنا، ثم ودّعتني في اليوم التالي، وعادت إلى بلدها.

يقول موظف الفندق، تعقيباً على ما سمع مني، إنّ بعض كتّاب الغرب، ينزلون في فندقه ويكتبون. لديهم لابتوبات، ويخرجون من الصباح الباكر، ثم يعودون في المساء، ومباشرة، دون فسحة راحة، يملأون حواسيبهم الصغيرة بما سمعوه وشاهدوه. توثيق حيّ ومباشر!

- يفعلون ذلك على هذا النحو، خوفاً من النسيان. مع أنّ هذا الصنيع لا يخلو من مخاطر. فالتجربة الكتابية تحتاج إلى مصفاة، قبل الشروع في الكتابة - أقول له - وأزيد: إنهم في هذه الحالة يكتبون انطباعات ساخنة، ولا ينزلون إلى العمق، كما تستوجب الكتابة الرفيعة. ومع أهمية هذه الانطباعات، فإنها غالباً ما تكون خُلّباً. فما يمكث في الأرض، هو الصالح للكتابة، لا ما يطفو.

العجيب أنني حين خلوت بنفسي، وتعمقت في آرائي تلك _ خشيت أن أفعل مثلهم، حين تأتي لحظة الكتابة عن هذه الرحلة. فأنا عملياً، لم آت بزاد ثقافي كاف عن المدينة، قبل زيارتها. لذا سأكون أسير عينيّ وأُذنيّ وحواسي الثلاث الباقية! وبهذه الحواس، سأكون محكوماً طيلة تجربة الكتابة. يا للهول!


يوم الحساب

حسب تقليد مسيحي، ثمة موقع في هذا الوادي، هو مكان الحساب في يوم القيامة. وحسب تقليد إسلامي، فالناس سيبعثون من باحة الحرم الشريف. ماذا عن اليهود؟ بالتأكيد لدى بعضهم نفس المعتقد، مع أنّ غالبهم لا يؤمنون بيوم البعث. عموماً لن أخوض في هذا المحيط، فلست من سبّاحيه. لكنني، وأنا أرى الشرطة، خشيت من لحظة الحساب فعلاً. وهربت، هربنا، كما هرب داود من وجه إبشالوم. فهذا هو الحساب الحقيقي يا إخوان. غزّاوي محرّم عليه مغادرة المستشفى، ويتجوّل هنا؟ احبسوه، ثم إلى غزة، فغلّوه وألقوه. حيث ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، بفضل الحصار والتنكيل والاحتلال.

كم أتمنى الآن، وبعد أن ألِفت المدينة نوعاً، ألا نبكّر في العودة إلى هناك. فكلما فكّرت بغزة، تذكّرت جملة دانتي اللعينة: "أنت الداخل إلى هنا، اتركْ كل أمل". يا خوفي ما أقولها على "معبر إيرز" حين أعود.

العجيب أنني صرت أحنّ إلى القدس وأنا بين أهلها وآثارها. كأنما على طريقة ريكاردو ريس، بطل رواية سراماغو، إذ كتب: "أحنّ إلى الصيف الذي أراه".

أخشى أن يكون حسابي هو يوم رجوعي لغزة!

لتذهبوا إلى الجحيم، بعد أن كرّهتمونا ببلادنا. بعد أن زرعتم حلم الهجرة فينا، فأصبح الأولَ بين جميع أحلامنا.

لتذهبوا إلى وادي قدرون!


* شاعر فلسطيني مقيم في برشلونة، والنص حول تجربته في عام 2009


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"قوانين" الاحتلال

تعتبِرُ قوانين الاحتلال أهل القدس العرب مجرّد مقيمين فيها وليسوا مواطنين، يوضح لي صديق مقدسي: نُعتبر سيّاحاً فقد "مُنحنا" الهوية الزرقاء حسب "قانون الدخول إلى إسرائيل" الصادر عام 1952، وكأننا نحن جئنا عليهم وليس العكس.

وفي حال حصول المقدسي على جنسية دولة أخرى، تُسحب هوية القدس منه أوتوماتيكياً. ومن يغيب عن التواجد فيها بضع سنوات متتالية يفقد إقامته في المدينة.

أيُّ سائح أجنبي يأتي إلى القدس ويُعطى إذن عمل، يصبح له حقوق أكثر من المقدسي صاحب الأرض.