تأخر ولادة الحكومة اللبنانية: 3 عُقَد سياسية-طائفية وملفَّان ورئاسة

09 اغسطس 2018
الصورة
الحريري كان رئيساً لحكومة العهد الأولى (حسين بيضون)
3 عقد، وملفّان، ورئاسة. عقد سنيّة ومسيحية ودرزية، وملفّا إعادة إعمار سورية وعودة اللاجئين، ومسألة الرئاسة الأولى ومن يخلف ميشال عون في رئاسة الجمهورية عام 2022. كل تلك التشعبات تختصر التأخير في التشكيل الحكومي في لبنان الذي كان يُفترض أن ينتهي سريعاً بعد الانتخابات التشريعية في 6 مايو/ أيار الماضي، على وقع سيطرة نيابية لحزب الله وحلفائه في البرلمان اللبناني ومن خلفهما النظام السوري، والسعي لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب داخل الحكومة التي يفترض أن تتألف من 30 وزيراً. لكن هل تكفي معالجة العقد الطائفية الثلاث لتسهيل ولادة الحكومة؟ كلا، لأن ما ينتظر الحكومة بعد تشكيلها هو إقرار بيان وزاري سيشهد خلافاً على ثلاثية "الشعب، الجيش، المقاومة"، بين تيار رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري (المستقبل) وحلفائه من جهة، وحزب الله وحلفائه من جهة ثانية.

حتى الآن، تبرز "العقدة السنيّة" في سياق محاولة فريق 8 آذار، بقيادة حزب الله وحزب الرئيس ميشال عون وبقية حلفاء النظام السوري وإيران، خطف مقعد وزاري لأحد السنّة المعارضين لكتلة المستقبل بقيادة الحريري، لمحاولة تأكيد الاختراق للبيئة الحاضنة له ولتياره. يرفض الحريري التنازل عن أحد المقاعد الستة المخصصة للسنة في حكومة ثلاثينية، كما يرفض استبداله بوزير مسيحي، كما طُرح في الفترة الماضية. وللحريري حساباته هنا في التمسك بالمقعد السني المطلوب انتزاعه منه لمصلحة فريق حزب الله ــ دمشق ــ طهران، فأي وزير سني خارج حيّزه السياسي سيكون حكماً مرشحاً لرئاسة الحكومة في أي لحظة سياسية تالية. وسبق أن حصل الأمر عندما تمّت تسمية نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة، بعد إطاحة الحريري، في عام 2011. حينها قام حزب الله بتحرّك سمي "حركة القمصان السود"، حين استفاقت بيروت على استعراض لعناصره (من دون سلاح)، نُظر إليه في لبنان وقتها على أنه تهديد مبطن لجنبلاط كي ينتخب ميقاتي. في تلك المرحلة، بدأ تسجيل اتساع "الثغرة" في جدار الدعم الشعبي السنّي للحريري.


أما في ما يتعلق بـ"العقدة الدرزية"، فيعتبر زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، أنه يخوض الصراع نفسه داخل الطائفة، فهو يعتبر أنه الأحق بتمثيل الوزراء الثلاثة المخصصين للطائفة الدرزية في حكومة ثلاثينية، ولا يرى منافساً حقيقياً له. فقد حصد مرشحو جنبلاط 6 نواب دروز من أصل 8، والسابع لأنور الخليل (محسوب على نبيه بري) والثامن ليس سوى طلال أرسلان، الذي اعتاد على النجاح في الانتخابات النيابية بقرار من جنبلاط بترك "المقعد شاغراً للأمير"، وذلك لحسابات تاريخية إقطاعية داخل الطائفة الدرزية المقسومة تاريخياً بين الجنبلاطيين والأرسلانيين. لكن أرسلان، حليف حزب الله والنظام السوري، بعد فوزه عملياً بقرار من جنبلاط، قرّر رفع سقف التحدي وأصرّ من خلال حلفائه على تولي وزارة من ضمن حصة الدروز (3 وزارات)، بعدما "وهبه" التيار الوطني الحر (حزب رئيس الجمهورية) كتلة برلمانية من 4 نواب، لتبرير إعطائه وزارة. أمام هذا الواقع، قرر جنبلاط أن لا مشاركة درزية في الحكومة في حال تم إعطاء وزارة لأرسلان، وهو ما يعني أن لا حكومة، بما أن السياسة الطائفية في لبنان تقوم على عدم استثناء مشاركة طائفة أساسية في الحكومة. ومسألة تشكيل الكتل النيابية بهذا الاستخفاف، بدعة غير دستورية برزت خلال جلسات حوار بعد عام 2009، حين مُنح النائب السابق سليمان فرنجية نائباً واحداً، من أجل تشكيل كتلة من 4 نواب، كي يشارك في جلسات الحوار اللبناني التي جمعت زعماء الطوائف وأحزاب السلطة في حينها. والكتل البرلمانية غير الحزبية، هي بدعة تشبه تماماً بدعة الديمقراطية التوافقية في لبنان.

أما العقدة المسيحية، فتبدو صراعاً بين أكبر حزبين مسيحيين، التيار الوطني الحرّ والقوات اللبنانية، على خلفية اتفاق المصالحة بينهما (اتفاق معراب 2016)، الذي أوصل ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، ونصّ على مساواة الفريقين بعدد الوزراء، ضمن ما اصطُلح عليه بـ"عودة المسيحيين إلى الدولة". لكن رئيس التيار، وزير الخارجية جبران باسيل، وهو زوج ابنة ميشال عون، تراجع عن ذلك الاتفاق، معللاً ذلك بما سمّاه "انقلاب القوات" في ملفات سياسية عدة، وأبرزها التراجع عن التحالف في الانتخابات النيابية والتحريض ضد عهد عون. مع العلم أن باب المفاوضات لا يزال مفتوحاً بين الطرفين، في إطار منح القوات 4 وزراء، بالإضافة إلى ما يعرف في لبنان بـ"حقيبة سيادية"، كوزارة الدفاع أو وزارة الداخلية أو منصب نائب رئيس الوزراء.

وإذا كانت العقد المطروحة هي عقد علنية وظاهرة وتُشكّل واجهة الأخبار عن تشكيل الحكومة، إلا أن ملفين آخرين يعرقلان التشكيل الحكومي عملياً: ملف إعادة إعمار سورية وملف عودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم. في الملف الأول، بدا لافتاً الاهتمام اللبناني في اتجاه المشاركة في إعادة إعمار سورية، بمعزل عن أي دور للحريري ولشركاته، وهو الذي سبق أن زار روسيا للبحث في هذا الشأن، ولقي أجوبة مطمئنة روسياً، إلا أنها مشروطة سورياً حتى الآن، لجهة زيارته رئيساً للحكومة إلى دمشق. وهو أمر استبعده الحريري في حديثٍ أخيراً. ويعوّل اللبنانيون كثيراً على تشغيل مطار القليعات الشمالي ومرفأي طرابلس وبيروت للمشاركة في إعادة إعمار سورية.



أما في ملف عودة اللاجئين، فقد سبق لحزب الله والتيار الوطني الحرّ أن باشرا خطوة فردية، عبر الإعلان عن إنشاء مراكز تساهم في عودة السوريين إلى بلادهم، بموازاة عمل الأمن العام والروس على إعادتهم. ويُشكّل الملف نقطة خلاف بين التيار الوطني الحرّ وتيار المستقبل، فالأول يعتبر أن "أماكن كثيرة في سورية باتت آمنة"، بينما يؤكد الثاني على "العودة الطوعية"، في مقابل تأييد ضمني لأمل وحزب الله والاشتراكي والقوات لعودة اللاجئين.

وكأن العقد الحكومية لا تكفي، بعد أن فُتحت معركة رئاسة الجمهورية باكراً، بإعلان عون أن "سبب فتح البعض معركة الرئاسة مبكراً، ومنذ الآن، ربما لوجود شخص في رأس السبق اسمه جبران باسيل يطلقون عليه كل أنواع الحروب، وهذه الحروب لا تزعجه ولا تزعجني". وهو ما ردّ عليه الحريري بالقول "بالنسبة إليّ هناك رئيس جمهورية هو العماد ميشال عون، ولا أحد يستبق الأمور"، في إشارة إلى عدم رضاه أو إمكانية التعاون مع باسيل رئاسياً مستقبلاً، في حال استمرت العراقيل الحكومية.

أما الثنائي حزب الله ـ أمل فعمدا إلى "تحصين" مواقعهما، فعدا عن كونهما متفقين على توزيع المقاعد الستة المخصصة للشيعة في حكومة ثلاثينية، فإنهما يتركان إدارة رغبتهما الحكومية في ما يتعلق بتحجيم جنبلاط درزياً والقوات اللبنانية مسيحياً داخل الحكومة، لحليف حزب الله، أي لتيار ميشال عون، ولعون شخصياً الذي يتبنّى رغبة توزير أرسلان وعدم إعطاء القوات اللبنانية أي وزارة أساسية ولا سيادية.

تعليق: