بَندول الرئيس الفلسطيني

22 مايو 2020
الصورة
+ الخط -
يُستعمل دواء بنَدول (بفتح النون) لتسكين الألم، لا علاج الوجع، أما البنْدول (بتسكين النون) أو الرقّاص، فهو كتلة تتأرجح جيئة وذهاباً، حول نقطة معينة، إذا شدّت إلى جانب، ثم تركت حرّة، وتعمل الجاذبية على أرجحتها بحركةٍ منتظمة. ويتكون البنْدول البسيط من ثقل، معلق في نهاية خيط أو سلك. ويسمى المسار الذي يتحرّك فيه الثقل قوس البندول. وما بين بنَدول خطابات الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، المُسَكِن، وبنْدول مواقفه المتأرجحة في قوسها، صار من العسير حصر المرّات التي أعلن فيها الرئيس إلغاء الاتفاقيات المبرمة مع إسرائيل، سيما وأنها كثرت منذ تولي الرئيس دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة. والأسهل من عدِّ تهديدات الرئيس عباس وقراراته هو حصر ما نُفذ منها، لأن الجواب بكل بساطة، لا شيء. وإذا كان هذا هو الحال، فالسؤال، على ماذا يراهن محمود عباس، وهو يتأرجح بنْدولياً في مسار رسمه لنفسه، أو رُسم له منذ ما يزيد عن 50 سنة. قد نرجح هنا أن الرجل لا يُراهن على قوته أو ثقله بمقدار رهانه على ضعف الآخرين. 
يراهن الرئيس على ضعف الفلسطيني، خصوصا فلسطينيي الضفة الغربية، وهم الأكثر قُرباً، من الناحية الجغرافية على مقر صنع القرار الفلسطيني. ومن المهم القول، صراحة، إن القيادة الفلسطينية المتمكّنة لا تقيم وزناً لأي وجود فلسطيني خارج الضفة الغربية، مع الاعتراف أيضاً بأن كل مواقع الشتات الفلسطيني لم تعد ذات ثقل يُذكر على القرار الفلسطيني. أما غزة فحديث آخر في حسابات السلطة الفلسطينية. وتُدرك القيادة في رام الله أن 26 سنة منذ "أوسلو"، وأهمها سنوات حكم أبو مازن، كانت كفيلة بتدجين الشارع، وتفريغ ساحة الضفة الغربية من كل أوراق الضغط. وليس سرّاً أن الرئيس عباس وأجهزته الأمنية قاموا بتجريف ساحة الضفة الغربية وتجفيفها من أي قوى عسكرية أو سياسية، فصائلية أو مجتمعية، قد تُعكّر عليه صفو التفرّد بالقرار الفلسطيني. بالتالي، يتلخص رهان الرئيس الفلسطيني هنا، بأنني أقول ما أشاء، ولا أفعل ما أشاء، ولا لقيمة أو وزن لمن لا يشاء. ومن الشجاعة الاعتراف بأن رهان أبو مازن كان في محله، فالضفة الغربية لم تشهد أي احتجاج سياسي على نهجه، بينما شهدت حراكات عدة لمطالب معيشية.
يراهن الرئيس كذلك على حاجة الإسرائيلي الأمنية، وهو يعرف كذب القيادات الإسرائيلية وهي تهدّد بتقويض السلطة الفلسطينية، ذلك أن الأمن الإسرائيلي بات يعتمد، بدرجة عالية، على التنسيق الأمني الذي يزوّد تل أبيب بالمعلومات، لا عن الخلايا النائمة لحركتي حماس والجهاد الإسلامي، أو عن أي أنشطة لعناصر متمرّدة في كتائب الأقصى الفتحاوية، بل لا تتورّع الأجهزة الأمنية عن تفتيش حقائب تلاميذ المدارس لضمان أمن المستوطنين وسلامتهم. بالتالي، يُدرك الرئيس الفلسطيني نقطة الضعف الإسرائيلي هذه، ويعلم أن المستوى الأمني الإسرائيلي جاهز لبلع جرشٍ لا طحْن فيه ولا طحين. وتفيد شواهد السنوات الماضية بأن إسرائيل سمحت للقيادة الفلسطينية بتجميد الاتصال السياسي مرّات، ولكنها لم تسمح بوقف التنسيق الأمني المقدّس مرة واحدة، أو تخفيف وتيرته يوما واحدا.
الرئيس الفلسطيني مصيب في الرهان الأول، ويبدو جلياً أن شعب الضفة الغربية أضعف من تحدّيه وتحدّي سياساته، بل يبدو مستسلماً قبل الأوان لخليفة أبو مازن، إذا ما كانت اقتصرت الخيارات المتاحة على "إما فلوس أكثر، أو وطن أقل". وقد ظهر ضعف الشعب في الضفة الغربية، بالسكوت المستمر عن الإهانات التي تلحق به من الرئيس وفريقه، ليس جديدها إهانة ممثل الجبهة الشعبية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في اجتماع الثلاثاء الماضي، وقبل ذلك الإهانة العلنية للأطباء. ومحقٌّ الرئيس الفلسطيني في الرهان الثاني، ذلك أن إسرائيل باتت تعتمد فعلاً على أجهزة الأمن الفلسطينية، لحفظ أمنها، بالتالي هي لن تزعل، مهما ارتفع عِيار بَنَدول الرئيس، طالما ظل بَنْدوله السياسي يتأرجح في قوسه المرسوم.