بين الغرابيب والجماعة

25 يونيو 2017
الصورة
على الرغم من الدعاية الهائلة التي سبقت مسلسل "غرابيب سود" في رمضان وصاحبته، إلاّ أنّ المزاج الاجتماعي العربي العام، المعادي لتنظيم داعش، لم يتقبّل المسلسل، وشعر بأنّ فيه تسطيحاً واستخفافاً شديداً، ودعاية فجّة غير مقنعة.
بالطبع، لا تكمن الإشكالية في الكارثة الكبيرة في فكر التنظيم وسلوكه، كما حاول بعض "القريبين من المسلسل" حرف النقاش إلى هذه النقطة، بل عدم احترام عقل المشاهد نفسه، أولاً. وثانياً هشاشة المادة العلمية التي ارتكز عليها النص، وكنتُ قد اشتركت، مع الصديق حسن أبو هنية، أخيراً في كتاب يتناول الموضوع نفسه (الداعشيات) بعنوان "عاشقات الشهادة.. النسوية الجهادية من القاعدة إلى الدولة الإسلامية"، وتناولنا فيه عشرات القصص لنساءٍ من المتأثرات بهذا الفكر، بصورة معمّقة وعلمية، وهي قصص مغايرة تماماً للصورة النمطية وللرواية التي قام عليها المسلسل التي تقوم على ثيمة جهاد النكاح.
جوهر الخلاف مع المنطق الذي يحكم مسلسل الغرابيب أنّه لا يمكن هزيمة فكر الإرهاب والتطرّف ومحاصرته، وتحصين المجتمعات وجيل الشباب والشابات إلاّ بفهم صحيح عميق للظاهرة وبرواية بديلة مقنعة، لكن الدعاية لمجرد الدعاية والشيطنة ستؤدي، على الأغلب، إلى نتائج عكسية، وهو ما حدث مع "الغرابيب" الذي توقف بعد الحلقة العشرين، من دون أن نفهم ما إذا كان انتهى فعلاً، أم أُوقف بسبب النتائج السلبية، وما يزال الأمر غامضاً ومشوّشاً.
على مسارٍ موازٍ، لم يحظ مسلسل الجماعة (الجزء الثاني) باهتمامٍ مماثل من الإعلام والجمهور، على الرغم من أنّه يتوافق مع الأجندة السياسية التي وقفت وراء الأول، وتتمثل بزج جماعة الإخوان المسلمين في مصاف الجماعات الإرهابية السريّة، وبشيطنتها، وتسخيف قياداتها وتخوينهم واغتيالهم إعلامياً، وخصوصاً سيد قطب، الذي تمّ إعدامه في زمن جمال عبد الناصر.
لكن الفرق بين المسلسلين، "غرابيب سود" و"الجماعة" يتمثل في أنّ الثاني، على الرغم من كل الدعاية المشحونة فيه والجهد الفني لشيطنة الجماعة، فيه جهد علمي أكبر وأعمق، وقراءة تاريخية لها أصول وجذور، وقدرٌ محدودٌ من الموضوعية، هو ما سمح للعمل أن يرقى إلى درجةٍ أعلى وأكثر أهمية.
ولو توفر العمل على درجة أكبر من الموضوعية العلمية في تناول الأحداث التاريخية، وقدر أقل من الدعاية الإعلامية، لأصبح على درجة كبيرة من الأهمية، لأنّه يتناول فترة دقيقة وحساسة ومهمة، عشية ثورة 23 يوليو 1952 إلى إعدام سيد قطب، وما سُمّيت بمرحلة المحنة والسجون في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت لها تداعياتٌ كبيرةٌ على الاستقرار الأمني والاجتماعي، ليس في مصر وحدها، بل في دول ومجتمعات عربية عديدة.
تتحدث تلك الفترة التي يضيء عليها المسلسل عن الحكم العسكري، والتعامل مع "الإخوان" بوصفها جماعة إرهابية، وزجّها في السجون، وإعدام قادتها وملاحقتهم. وفي الوقت نفسه، لجوئها إلى العمل العسكري والسري وجدلية العنف والعنف المضاد التي حكمت دولاً عربية عديدة خلال العقود السابقة.
تتجاوز أهمية وقائع المسلسل تلك المرحلة إلى اللحظة الراهنة التي يُراد فيها مصادرة الاختلاف والتباين بين جماعات الإسلام السياسي، وإلغائها من الوجود، وهي محاولةٌ قامت تاريخياً بالحديد والنار، وكانت نتائجها كارثيةً، لأنّ هذه الحركات تمثل تياراً عريضاً واسعاً من الطبقة الوسطى في العالم العربي، لا يمكن إلغاؤها من الوجود، حتى لو بقنبلة نووية، ويتطلب تغيير مسارها مقاربةً مغايرة تماماً للمقاربة الاستئصالية.
تلك نتيجة مهمة مترتبة على المسلسل، وإن كانت غير مقصودة من المنتج والسيناريست، لكّنها لازمة لمشاهدته، ما دفع مثقفين وأكاديميين مصريين إلى شنّ حملة شعواء عليه، واتهامه بمجاملة "الإخوان"، وبوجود نيات دفينة، على الرغم من حجم الشيطنة الفجّة فيه للجماعة ورموزها.
على الطرف الآخر، أهمية المسلسل أنّه يضيء على فترة مهمة من تاريخ الجماعة وسلوكها السياسي، ورفع الهالة المصطنعة حولها. يقدّم وقائع وروايات تاريخية تستحق المتابعة، وتدفع إلى مراجعة تلك الفترة، وإعادة التفكير من أنصار الجماعة وأبنائها بنقدٍ جوهريٍّ لم يحدث بعد لمسارها وأخطائها وجزء كبير من بنيتها الأيديولوجية والتنظيمية، فحجم الأخطاء التي وقعت فيها الجماعة خلال تلك العقود هو الآخر كارثي.
تعليق: