بعد لولا وروسيف... تامر يترنّح في البرازيل

04 يونيو 2017
الصورة
تصاعدت الاحتجاجات في الأسابيع الأخيرة (أندريسا أنيوليتي/فرانس برس)

لا يُمكن أن يهناً الرئيس البرازيلي ميشال تامر، فما باشرته الشرطة الفدرالية في عام 2014، يتمدّد على وقع تصاعد التظاهرات المطالبة باستقالة تامر من الرئاسة لاتهامه بالفساد. قد يبدو قدر البرازيل الأكثر إيلاماً منذ انتهاء الحكم العسكري (1964 ـ 1985). فتعدّد الأزمات وتطوّر الأحداث الداخلية، مؤشر سلبي لبلاد كانت تطمح لتسيّد الجزء الجنوبي من العالم، أقلّه في أميركا الجنوبية، لكن الأمر أُجّل حتى إشعار آخر.

إذا كان من أحد يعمل ميدانياً في البرازيل فهو الشرطة الفدرالية، التي باتت الحاكم الفعلي في البلاد، بعد فضحها قضية شركة النفط الوطنية "بتروبراس"، وارتباط مئات السياسيين والعسكريين والاقتصاديين فيها. وهو ما أدى إلى تهاوي رئيسين "محبوبين": لولا ايناسيو دا سيلفا (الملقّب بلولا)، وديلما روسيف. وللدلالة على أن الأمور لم تتوقف عند هذا الحدّ، فإن الوضع طاول الرئيس الحالي، والـ37 في تاريخ البرازيل، لبناني الأصل ميشال تامر.

مشكلة تامر هذه المرة مرتبطة بـ"شراء صمت" الرئيس السابق للبرلمان، إدواردو كونيا، المسجون حالياً لمدة 15 عاماً لتورطه في فضيحة "بتروبراس"، حسبما كشف تسجيل بعهدة الشرطة. وفي هذا الصدد، سمحت المحكمة البرازيلية العليا يوم الثلاثاء الماضي، باستجواب في إطار هذه القضية، وقضايا أخرى. لكن فريق الدفاع الخاص بالرئيس البرازيلي طلب يوم الأربعاء الماضي، من رئيس المحكمة العليا إيدسون فاتشين تأجيل الاستجواب الكتابي للرئيس. وذكر الطلب أن الاستجواب، المقرر أن يتم في غضون عشرة أيام، ينبغي تأجيله حتى تنتهي الشرطة من تحليل التسجيل". وهي المرة الثانية التي يسعى فيها محامو تامر إلى تأجيل الاستجواب. كما طلب فريق الدفاع من فاتشين، إذا أصر على المضي قدماً في الاستجواب، أن يرفض أي سؤال للشرطة في التسجيل.



وأشار تامر إلى أن التسجيل ملفق وأنه لم يرتكب أي خطأ، رغم إقراره بأنه التقى رجل الأعمال جوزلي باتيستا رئيس شركة (جيه.بي.إس) (أكبر شركة لحوم في العالم)، في مارس/آذار الماضي، لكنه نفى أي دور له في المساعي المزعومة لمنع كونيا عن الشهادة. وذكرت صحيفة "أوغلوبو" المحلية أن "باتيستا سجّل حديث تامر عن مبلغ الإسكات المقدم إلى كونيا"، من دون الأمر الذي طلبوا من كونيا السكوت عنه. وأضافت الصحيفة أن "تامر ذكر في الحديث في معرض رده على باتيستا عن دفع مبلغ من المال إلى كونيا كي يظل صامتاً: أنت بحاجة لمعالجة هذا الأمر، أليس كذلك؟". واستمر التسجيل بين تامر وباتيستا حوالي 40 دقيقة، ناقشا خلاله مواضيع سياسية واقتصادية قبل تناول مسألة الرشوة. وسبق أن قال كونيا، الذي كان يوماً عضواً قوياً في الحزب الحاكم، إن لديه معلومات حساسة عن سياسيين كبار مرتبطين بفضيحة رشى سياسية واسعة داخل شركة "بتروبراس".



وعلى الرغم من تأكيده في مقالٍ له، يوم الأحد الماضي، في صحيفة "فوليا دي ساو باولو"، بأن "البرازيل لم تتوقف ولن تتوقف رغم الأزمة السياسية التي نعيشها اليوم، وأنا أقرّ بذلك"، إلا أن استمراره في السلطة بات على المحكّ.

ومع اشتداد التظاهرات المناوئة له في العاصمة برازيليا، وفي ساو باولو، بدا لافتاً أن العديد من المتظاهرين ينتمون إلى فريق روسيف ولولا، في إشارة واضحة إلى أن "الفريق الثالث" بينه الرئيسان السابقان وتامر، غير قادر حتى الآن على فرض وجوده في البلاد. مع العلم أن تامر تسلّم السلطة العام الماضي بعد إقالة روسيف، التي كان نائبها، واتخذ سلسلة من الإجراءات التقشفية مثل إصلاح نظام التقاعد وتحرير سوق العمل، على أمل تحسين الوضع الاقتصادي. ومع تأخر تنفيذ الإصلاحات ألقى باللائمة على البرلمان، معتبراً أن "حكومته لم تحشد بعد الأصوات المطلوبة في الكونغرس (308 أصوات) لتمرير إصلاحات رئيسية تتعلق بالرعاية الاجتماعية".

مع ذلك لا يبدو الأمر متعلقا بجميع هؤلاء، خصوصاً أن الشرطة الفدرالية هي من تعمل بمفردها تقريباً، على شاكلة تأمين الأدلة والمستندات في كل تحقيق تجريه في قضية "بتروبراس" ومتفرعاتها، لدفع القضاء للتحرّك. وتتخذ المواجهة بعداً إقليمياً وعالمياً، سواء في سوق أميركا الجنوبية أو الأسواق العالمية، فقد هبط سوق الأسهم في البلاد بنسبة وصلت إلى 10 في المائة، على خلفية الاتهامات الموجّهة لتامر. وهو ما انعكس سلباً على سوق ميركوسور في أميركا الجنوبية. أما المفاجأة الأبرز، فهي أن "بتروبراس" بدأت تستعيد الثقة اقتصادياً مع تخطي عرض سنداتها، تقديرات السوق منتصف مايو/أيار الماضي، بينما في المقابل بدأت السجون تزدحم بكل من ورّطها في الفضيحة.