بحر ورمال.. نحن عالقون

26 نوفمبر 2019
الصورة

من مسرحية "بحر ورمال"

بذكاءٍ شديد وبنصّ مكثّف وقصير، وبتكنيكات مسرحية وفنية محترفة، تمكّن المخرج الأردني المخضرم، عبد السلام قبيلات (مؤسس مسرح الشمس في عمّان) من تلخيص الواقع العربي خلال العقود الماضية، تاركاً الباب مفتوحاً على مصراعيه للمشاهد أن يكتب النصّ الموازي أو أن يفسّر النص كما يشاء، من دون أن يعجز عن اكتشاف أنّ التكرار المتعمّد في المسرحية؛ بطرح العبارات والتعليقات والكلمات نفسها على لسان الممثلين؛ هو أيضاً مقصود؛ طالما أنّنا في العالم العربي ما نزال عالقين منذ عقود طويلة، من دون أن نتقدّم أو نحدث تغييراً، نكرر الأسئلة نفسها والهواجس ذاتها والأجوبة هي، هي.
باختصار، أراد المخرج المبدع (وشقيقه ياسر قبيلات الذي كتب النصّ الأصلي للمسرحية) أن يقول لنا: أيّها السادة نحن عالقون. أين؟ في واقعٍ لا يتحرّك، وتاريخٍ لم تعد له قيمة، والأخطر من ذلك في أوهامنا في العالم العربي أنّ التحرّك والتغيير بمثابة الآفة الكبرى. بإمكان المشاهد، أيضاً أن يضع نصّه الخاص التأويلي للمشهد المسرحي، فالتخويف الدائم المستمر من التغيير السياسي والديمقراطية والإصلاح، مثلاً، هو الذي جعل واقع المجتمعات العربية في غاية البؤس والملل والرتابة، كما هي حال السفينة العالقة في الماء الذي يتحوّل إلى رمال.
هنا، تحديداً، تأتي الجملة الثورية في المسرحية، عندما يخاطب أحد أبطالها الشباب الذي يبحث عن مخرج من "الدائرة المغلقة"، ومن حالة "مكانك سر" التي تهيمن على المجتمعات العربية، فيخاطب هذا الشاب - القبطان بالتساؤل: لماذا لا نرسو على ميناء؟ ويأتي الجواب المكرّر خلال المسرحية باستمرار: إنّ سلطات الميناء تمنعنا، يقولون إن لدينا حمولة غير آمنة.. فيجيبه الشاب: أنتم الحمولة (أي القيادات والحكومات التي تدير دفّة الأمور) هي الحمولة غير الآمنة: "يمشي الآخرون ولا يغرقون، وأنتم لا تمشون وتغرقون".
ولعلّ هذه الجملة القصيرة مفتاح مهم من مفاتيح "اللعبة الرمزية" التي مارسها قبيلات في 
المسرحية، وأضاف لها بعداً آخر عندما تغير القبطان (العاجز) وجاء قبطان (جديد، قوي) لكنّه استمرّ على المنوال نفسه من إبقاء السفينة عالقة في البحر/ الرمال، من دون أن يحدُث أي تغيير، مستخدماً العبارات واللغة نفسها التي استخدمها القبطان السابق.
تفضح المسرحية الحالة العربية، من خلال جملٍ وعبارات وحركات رمزية عديدة، فالساعة على متنها لا تتحرّك "وما حاجتنا إلى معرفة الوقت، إذا كنا لا نفعل إلاّ الانتظار، نقيس زمن الانتظار، قياس الزمن مملٌّ ومقيت، فالزمن يقاس حين تفعل شيئاً".
والحال أنّك عندما تضع الوعاء في الماء، بدلاً من أن تحصل على الماء في وسط البحر، وتجد الرمال، عندها تكون هنالك مشكلة حقيقية في المنطق، فالسفينة لا تحتكم إلى المنطق العقلاني، كما هي حال المجتمعات والدول العربية، "لقد ولّى عهد الأشياء المفهومة، إذن فلننعم بالراحة، لم نعد نفهم شيئاً هذه الأيام". وفي المسرحية تكرار للكلمات والحركات، وحتى تكنيك مشي الممثلين في المكان نفسه يؤشر، بصورة ذكية، إلى الحالة العربية المتجمّدة من دون تغيير.
تتمثل الإشارة الوحيدة لمحاولة اختراق هذا الواقع غير المنطقي في قصة الرجل الذي يمشي على الماء، ويراه الشاب في السفينة، فيؤكد ذلك للقبطان والآخرين الذين لا يرونه، ثم يقرّر الشاب أن يقفز من السفينة ويمشي مثله على الماء، من دون أن نعلم، نحن المشاهدين، فعلاً مصيره. ربما الرسالة السياسية الثاوية في قلب هذا المشهد أنّه قد لا تكون السفينة أصلاً في الماء، بل في الرمل، والشخص كان يمشي على الرمل وليس الماء، لكنّها الأوهام التي صوّرت للقيادات، أو ربما التي استخدموها لخديعة ركّاب السفينة بالإيحاء بأنّهم في بحر، وأنّ مغادرة السفينة ستؤدي إلى الغرق، أو أنّ "سلطات الميناء" ترفض أن تسمح للسفينة بالوصول إليه، وكلها أكاذيب أو أوهام لتبرير الحالة القائمة الكارثية.
هي، إذن، محاكاة عقلانية تمثيلية لحالة المجتمعات العربية، وحالة الركود والدوران حول الذات، إلى أن بدأت مظاهرات الربيع العربي، وهي التي قد تكون حادثة الشاب الذي ترك السفينة، معبراً عنها.
يقول قبيلات: تركت العالم العربي ثلاثين عاماً، عشت ودرست وعملت في روسيا، وعندما عدت بعد هذه المدة الطويلة لم أجد شيئاً تغيّر. النقاشات هي نفسها، الأجوبة والأسئلة والحجج، والواقع نفسه. أحببت أن أصوّر للناس هذا الواقع من خلال مثال معين. ومن هنا جاءت فكرة المسرحية.
تعليق: