باسكال بونيفاس يتحدّى مجدّداً فرنسا المنحازة إلى الصهيونية

20 ابريل 2014
كتابه الجديد بمثابة دعوة للفرنسيين لإنصاف الشعب الفلسطيني (GETTY)
+ الخط -

مع كل كتاب جديد أو تصريح لمؤسس ومدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية IRIS، باسكال بونيفاس، تثار زوبعة من الجدل في فرنسا. وفي كل مرة، يتمّ شحذ السيوف للمقارعة، وتظهر تُهمة "معاداة السامية" إلى السطح، ويسيل الحبر والبيانات وتوقيع الدعم. ومع كل محنة يتعرّض لها هذا الباحث، يكرّر جوابَهُ السابق بأن تهمة "معاداة السامية" سلاحٌ جاهز في وجه كل مَن ينتقد الكيان الإسرائيلي، حتى وإن كان يهودياً. ألَم يُجرّب الفيلسوف إدغار موران، الأمر بنفسه، فلم يحترموا إسهاماته الثقافية ولا شيخوخته؟
أدرك بونيفاس هذا الأمر مبكراً، فغادر الحزب الاشتراكي الفرنسي، الذي كان عضواً فعّالاً فيه، عام 2003، بسبب تحيّزه السافر للمواقف الإسرائيلية ومواقف الجالية اليهودية الموالية لدولة الاحتلال. واستبق استقالته بتوجيه رسالة داخلية إلى رئيس الحزب آنذاك، فرانسوا هولاند، يشرح فيها عودة "النزوع الجماعاتي" في الحزب، مؤكداً أنه يتعرض لحملة شَيْطنة من قبل أصدقاء إسرائيل، وخصوصاً دومينيك شتروس ـ كان. وتساءل بونيفاس في رسالته، قبل عام من الرئاسيات، عن "الفعالية الانتخابية" لمواقف الحزب الموالية لإسرائيل، في الوقت الذي يتقوَّى فيه الناخبون من أصول عربية، أكثر فأكثر.
وكان كتابه في حينها بعنوان: "هل من المسموح انتقاد إسرائيل؟" (2003). وبالطبع، كان الجواب، بالنفي (ليس من المسموح انتقاد إسرائيل). وقد مضى بونيفاس في موقفه على الرغم من أنه كان يعرف أن الكثيرين من معارضيه وخصومه لا يريدون أن يروا الحقيقة، إذ لديهم أفكارهم الجاهزة التي لا يريدون لأحد التشكيك فيها. حتى الأصدقاء انفضّوا من حوله بسبب مواقفه من فلسطين: "أعرف أنه يوجد أناس يكرهونني، من دون أن يتعرّفوا إليّ. وأسوأ ما في الأمر هو أن بعضهم يفعلها بنيّة حسنة، لأن ما يعرفونه عني، إنما هي كلمات مُحرَّفَة وليست هي مواقفي الحقيقية".
وفي ذلك الكتاب، طرح "الواقع الفريد" في فرنسا، وهو استحالة انتقاد حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، أرئيل شارون، من دون التعرّض لاتهامات غريبة وإجراءات عقابية تقترب من الإرهاب الفكري.
وقبل بضعة أسابيع، أصدر بونيفاس كتاباً جديداً بعنوان: "فرنسا المريضة من الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني"، فعادت الهجمات من اللوبي الصهيوني. ووصل الأمر بالصحافي فريدريك هزيزة، إلى اتهام بونيفاس بـ"معاداة السامية".
وعادت الأمور إلى سابق عهدها، وتوالت الهجمات على الباحث حتى من رفاقه القدامى في الحزب الاشتراكي، وفي مقدمتهم جوليان دراي، الذي كتب أن "باسكال بونيفاس يحمل لَبِنَتَه في تصاعد معاداة السامية".
يرى بونيفاس، وهو يصدح بهذا الرأي منذ زمن، أن "موقف الحكومة الإسرائيلية من الشعب الفلسطيني لا أخلاقيٌّ ولا قانونيٌّ ويشكّل خطراً علينا، نحن، في فرنسا". ويضيف: "إنه يفرّق بين الفرنسيين أنفسهم. تصوّر أن الكثير من أصدقائي قاطعوني منذ أن اتّخذت مواقف مؤيّدة للفلسطينيين"، على حد تعبيره.
وحول سلاح "معاداة السامية" المُشهر في كل مناسبة، يقول إن "الخلط بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية، وانتقاد اسرائيل، هو ابتزاز كبيرٌ يجب وضع حدّ له".
وينتقد قرارات اتخذتها الدولة الفرنسية، وتَحدّ من الحرية، حينما يتعلق الأمر بإسرائيل وبالسامية. ويخص هنا الوزيرة السابقة، ميشيل أليو ماري، التي فسّرت المادة 24 من قانون الصحافة لسنة 1881 بأنها تسمح بمعاقبة المواطنين والمنظمات التي تدعو لمقاطعة بضائع دولة ما، وأيضاً وزيرة العدل الحالية، كريستيان توبيرا، التي لم تفعل شيئاً لتغيير هذا التفسير الشاذ للقانون، الذي يُجرّم، خطأً، مقاطعة البضائع الصهيونية القادمة من مستوطنات الضفة الغربية المحتلة.
ويَسخَر بونيفاس من الموقف الرسمي الفرنسي قائلاً: "إننا في فرنسا لا نتحدث، إلا نادراً، عن واقع الاحتلال وتأثيراته السلبية، ولا نسلّط الضوء إلا على المفاوضات التي تجري من حين لآخر بين الإسرائيليين والفلسطينيين".
والحقيقة أن استقالة باسكال بونيفاس المبكرة من الحزب الاشتراكي كانت بمثابة النبوءة عن الوضعية الحالية الذي وصل إليها الحزب في يمينيته ومناصرته للصهيونية. فقد وصلت فرنسا إلى مرحلة يتجرّأ فيها رئيس وزرائها الجديد، إمانويل فالس، على التصريح بأن معاداة الصهيونية هي ذاتها معاداة السامية، وأن انتقاد إسرائيل أيضاً يمثّل الشيء نفسه، وبالتالي لا يجب التساهل معه. وقد جاء هذا التصريح "الانفعالي" في مهرجان مفتوح ضمّه والطائفة اليهودية. وكان برنار هنري ليفي يهزّ رأسه موافقاً ومحيياً "جرأة" فالس، قبل أن ينغمس، هو الآخر، في خطاب تحريفي خطير، زعم فيه أن هذه الجملة المنسوبة إلى فولتير: "أنا أخالفك في الرأي تماماً، ولكني مستعدّ لبذل حياتي في سبيل أن تتمكّن من التعبير عن رأيك"، مغلوطة، ولم يقلها فولتير، لأنها جملة معادية للسامية وتسمح لأيٍّ كان بالتهجم على اليهود.
إن كتاب بونيفاس الجديد: "فرنسا المريضة من الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني"، هو بمثابة دعوة صادقةٍ لفرنسا، مثقفين وساسة ومواطنين، للتفكير في جوهر الصراع العربي ـ الإسرائيلي ولإيجاد حل للظلم التاريخي الذي يتعرّض له شعب فلسطين. كما أنه دعوة لحرية حقيقية للتعبير ولعدم إدانة الآخر قبل قراءته. وأيضاً دعوة لمحاربة كل نزوع "جماعاتي" (أيّاً كان مصدره ومعتقده) يُهدّد السلم الاجتماعي في فرنسا.
يقول بونيفاس في كتابه الجديد إن "العديد من الصحافيين يراكمون العمل في إذاعات جماعاتية وفي الإذاعات العمومية من دون أي مشكل، ويستطيعون أن يؤكدوا فيها، بشكل مفتوح، دعمهم لإسرائيل من دون تلقي أي خسارة. ويوجد عدد أقل من الصحافيين الذين يعملون في وسائل الإعلام التابعة للجالية الإسلامية، الذين تُفتَح أمامهم أبواب القطاع العمومي، والأرجح أنه لا يوجد أحد منهم، وإذا ما أتوا ليُظهِروا دعمَهُم للقضية الفلسطينية، فسيُواجهون إطلاق رصاص على حاجز، وهو ما سيضع حدّاً لوظائفهم...". ويضيف: "يتدافع الساسة الفرنسيون حتى يكونوا ضيوفاً في منتدى راديو جي (اليهودي)، بينما وجّهت إذاعة الشرق، التي يُعتبَر جمهورُها من العرب في غالبيتهم، في سنة 2007، دعوة لكل المرشحين أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية، فلم يلبِّ دعوتها أحد".
حقّاً إنّ فرنسا مريضة من الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، والغريب أن مَن يصدحون بهذه الحقيقة قلّة، وباسكال بونيفاس من أبرزهم.

المساهمون