باب السفارة

16 يوليو 2020

حمل عبد الرحمن ما لديه من وثائق ومستندات رسمية، كان أعدها خلال الأشهر الماضية لأجل التقدّم بها للحصول على تأشيرة الولايات المتحدة الأميركية من داخل قنصليتها في دمشق، والتي يراد لها متابعة حثيثة، وتوثيق كل ذلك بموجب أوراق ومستندات على أن تكون ممهورة بخاتم المؤسسات والدوائر الحكومية الرسمية لتصبح أكثر إقناعاً بالنسبة للقنصل العامل في السفارة، وتحصيل هذه الأوراق، وإن كان في أغلبها مزيّفاً، ولا تمت للحقيقة بصلة إلّا ما ندر.

ومن أهم هذه الوثائق المطلوبة التي يلجأ القنصل للسؤال عنها، وتكون محط اهتمام ويجب العمل على إحضارها، ما يثبت ملكية عقار سكني، سيارة، أرض زراعية، وغير ذلك.. أضف إلى ذلك ما يثبت من توافر أملاك أخرى، ورصيد مالي بالبنك مضى عليه ما يقارب من الستة أشهر، على الأقل، فضلاً عن الوضع الوظيفي أو التجاري، والاجتماعي، ناهيك بالاستمارة المطلوب إملاؤها، والخاصة بالسفارة من قبل مكاتب الترجمة المحلفة المنتشرة التي تؤدي الخدمة لقاء مبلغ مالي مقبول نسبياً، وما على العامل في تلك المكاتب التي تتعامل بتلك الطلبات بالعمل على تسهيل إجراءات تلك الاستمارة لزبائنها الراغبين في السفر الى الولايات المتحدة، ووضع الصورة الشخصية اللازمة لهم بقياسات معينة، وبحسب التعليمات الصادرة من قبل السفارة، ناهيك بإحضار جواز السفر على أن يكون ساري المفعول ولأكثر من ستة أشهر من تاريخ تعبئة الاستمارة ودفعها إلى الإيميل الخاص بالسفارة لتأخذ دورها أصولاً.

وفي الأيام التي سبقت تحقيق حلم عبد الرحمن بالحصول على الفيزا، بعد فشله في أكثر من مرّة خلال السنوات الخمس الماضية، وبسبب الازدحام الشديد على باب السفارة ولتلافي ذلك، فضّل الذهاب إلى السفارة والوقوف أمام بابها في ساعة متأخرة من الليل ليحجز دوره مسبقاً، وليكون من أوائل الداخلين إلى بهو صالتها الفسيحة. كان هذا في البدايات، قبل تفعيل الإجراءات والتعليمات الجديدة، أيّ حجز دور مسبق قبل التوجه إلى باب السفارة الضخم والدخول إلى قاعة الاستقبال بإتباع إجراءات أمنية مشدّدة!.

وقف عبد الرحمن أمام باب السفارة حاجزاً دوراً بذلك، واستمر ساعات على هذه الحالة، مع تزايد أعداد الراغبين بالحصول على الفيزا، وكان من بين الحاضرين أخوة لبنانيون قادمون من لبنان الشقيق ليأخذوا دورهم أيضاً في الحصول على الفيزا أسوة بأخوتهم السوريين لعدم توافر سفارة أميركية في بلدهم الأم، وكانوا يقطعون مشواراً طويلاً مقرفاً ومرهقاً لأجل الوصول إلى دمشق، وتقديم وثائقهم، وما بين أيديهم من مستندات للحصول على تأشيرة السفر، وهذا ما كان يُجهدهم جداً ويلعنون الساعة التي فكروا فيها في السفر إلى تلك البلاد، وإن كانت تُشكل في حد ذاتها حلما أزليا لكل الناس، وحتى الكبار في السنّ!.

كان عبد الرحمن ينتظر دوره مع أعداد كبيرة من الناس الراغبين في السفر، وتجاوز حدود البلد في السفر إلى بلاد النعيم، كما صار يُطلق عليها لاحقاً، هرباً من واقع اقتصادي مرير، والحاجة إلى تحسين الوضع المعاشي الذي أصابه ركود اقتصادي غريب، وكان ينتظر طوال الليل دوره واقفاً على قدميه أمام باب السفارة، أو إلى جانب حائطها المرتفع والمشغول بشكلٍ جيد خوفاً من اختراقه من قبل أشخاص بعينهم، وإن كانت أسواره عالية ومنصوب عليها أعداد من كاميرات المراقبة، إضافة للأسلاك الشائكة الكهربائية، والوصول إلى الباب الرئيسي لدخول بهو السفارة يتطلّب جهداً كبيراً ووقتاً مضاعفاً في التحمّل، ويشكل ذلك عبئاً كبيراً على الحضور تحمّله.. وقبل الدخول إلى داخل السفارة يبدأ الموظفون الأمنيون بمراقبة الراغبين الداخلين لأجل المقابلة الشخصية، والتي تمنح على إثرها الفيزا، وهذا ما يعرّضهم إلى التفتيش الدقيق.

وفي داخل صالتها الفسيحة ما عليك إلّا أخذ دورك في إجراء المقابلة الشفهية التي تجمعك مع القنصل الذي هو من يحدّد مسار صدق الراغبين بالحصول على الفيزا من عدمه، بطرحه الأسئلة المقتضبة والقصيرة والإطلاع على الوثائق والأوراق الرسمية، التي وحده من يقرّر النظر فيها والتأكد منها، ما يعني أنَّ المراجعين للسفارة، من الراغبين في السفر إلى بلاد العم سام سيعانون ولا بد كثيراً من الإجهاد والأرق، والوقت الطويل الذي يقضونه بانتظار نتيجة المقابلة التي تحدّد مصيرهم، وخلال فترة قصيرة من بعد الانتهاء من المقابلة وبصورة فورية.

دخل عبد الرحمن بهو الصالة الكبيرة داخل مبنى السفارة الأميركية في مدينة دمشق ينتظر الإعلان عن أسمه عبر صوت المذيع الداخلي للمبنى الضخم للبدء بالإجراءات الخاصة الأولية التي تسبق منح التأشيرة. وبعد أن أنهى بعض الإجراءات التي يعمل بها عادة داخل المبنى أخذ مكانه في مقعده ينتظر دوره في المقابلة، وما ستسفر عنه من نتائج قد تبشره بمستقبل مشرق، وترمي عن كاهله الأرق الذي ينتابه، والحزن الذي يسيطر عليه، وكانت هذه المرة الخامسة التي يقوم عبد الرحمن في الذهاب، مودعاً أهل بيته، الى دمشق قادماً من مدينته الرّقّة قاطعاً مسافة أكثر من خمسمائة وخمسين كيلومتراً علَّ وعسى أن يحصل على الفيزا وطمعه في الوصول إلى أراضي الولايات المتحدة الأميركية ليس حبّاً بالمال، الذي لم يكن يفكر به يوماً، أو يُخطط للوصول إليه، بقدر ما هو تحقيق طموح ورغبة دفينة يحاول تجسيدها إلى واقع، كما هو حال الكثير من أصدقائه ورفاق دربه ممن سنحت لهم الفرصة في زيارتها والعيش على أراضيها.

بعد حوالي ساعتين من الانتظار، في صالتها الفسيحة، أشارت اللوحة الرقمية الموجودة على الحائط داخل الصالة أن عليه التوجّه إلى الشبّاك رقم "اثنان". وبعد أن صار وجهاً لوجه مع الموظف المسؤول على طرح الأسئلة، مع إبرازه الوثائق المطلوبة، وبعد أخذ ورد لم يُشكل القنصل المعني بمنح الفيزا أي قناعة بالأوراق التي بين يديه، وجُوبِهَ طلبه بالرفض للمرة الخامسة، وفي هذه الحالة لا يمكن له الحضور ومراجعة السفارة والتقدم بطلب تأشيرة جديد إلا بعد مرور ستة أشهر قادمة على الأقل، ليتمكن من إجراء المقابلة، وتبرير ما يمكن، وإقناعه للمرة الثانية علّه يصل إلى نتيجة ترضي رغبته، وانتظاره الطويل، فضلاً عن المبالغ المالية التي سبق أن دفعها للعامل في مكتب الترجمة الذي هو من قام بتعبئة الاستمارة الخاصة بالسفارة ودفع الرسوم الخاصة بها، وهذا كلّه لا يعني له شيئاً، وكل ما يعنيه هو الحصول على التأشيرة وإن اضطر إلى دفع ما فوقه وما تحته.

بعد انقضاء أكثر من ثمانية أشهر على زيارته الخامسة، أخذ عبد الرحمن يَعد الأوراق والوثائق المطلوبة للسفارة والسفر إلى دمشق ومراجعة مكتب الترجمة لإملاء استمارة الطلب ودفع الرسوم الخاصة بالفيزا من جديد، عبر الايميل الإلكتروني مؤكداً حجز دور نظامي له، ليتسنى له في ما بعد الاتصال به من قبل العاملين في السفارة وإعلامه عن موعد المقابلة بعد شهرين من تقديم طلبه، وفي هذه المرة أحسَّ عبد الرحمن أنَّ الوثائق التي بين يديه، نتيجة قناعته بها، أنه واثق من أن القنصل سيوافق على منحه التأشيرة، وهذه القناعة تشكلت لديه نتيجة الخبرة التي اكتسبها خلال الفترة الماضية التي قضاها متردداً على باب السفارة الأميركية في أكثر من مرّة، وصار يعرف الكثير عمّا يمكن أن يهيئ أمامه الطريق للفوز بالفيزا.

بعد خمسة وأربعين يوماً من تقديم الطلب، وحجز دور له، اتصلت السفارة بعبد الرحمن وأعلمته عن موعد دوره بالحضور إلى السفارة لإجراء المقابلة. هكذا هو حال التعليمات الجديدة التي اتخذتها السفارة وبدأت العمل على تطبيقها بحذافيرها.

هذا الحلم فتح المجال أمام العديد من زملاء العمل وأصدقائه ورفاق دربه، وأبناء حارته في السعي الحثيث لتحصيل التأشيرة الكنز التي تمكنهم من دخول بلد اقتصادي عملاق كالولايات المتحدة

 

قبل الموعد المحدّد من إجراء المقابلة سافر عبد الرحمن إلى دمشق، وأقام في أحد فنادقها الوثيرة، وفي صباح يوم المقابلة طلب من صاحب التاكسي من أن يوصله إلى أمام باب السفارة الأميركية، وبعد ساعة من وصوله بدأ الحاضرون المتواجدون أمام بابها بأخذ دورهم، والاصطفاف بنسق واحد وبهدوء تام لم يعتادوا عليه للدخول إلى داخل المبنى المحصّن بشكل جيد، والدخول من ثم إلى داخل الصالة الرئيسة، وبعد تجاوز مرحلة التفتيش أخذ عبد الرحمن مقعده ينتظر دوره في مقابلة القنصل للإجابة على تساؤلاته وهو مطمئن على دوره.

في هذه المرّة كان عبد الرحمن واثقاً من حصوله على الفيزا نتيجة خبرته، التي اكتسبها من خلال مراجعاته المتكرّرة، ولقائه بالعديد من الراغبين الذين يحاولون الفوز بتأشيرة الولايات المتحدة، واقتناعه بالوثائق التي بحوزته، وبالمعلومات التي بين يديه التي جلبها معه بصورة مسبقة تحسباً من أي أسئلة كانت تطرح ومحل جدال، وهو الصحافي الذي مارس هذه المهنة التي يعشقها حتى الثمالة ولأكثر من ثلاثين ربيعاً، وكانت مفتاح الوصول للحصول على التأشيرة التي اتخذ لها كل الخطوات للفوز بها التي منحتها له سفارة الولايات المتحدة بدمشق.

محاولات عبد الرحمن الجادة، والمستمرة أثمرت نجاحاً ملفتاً، وإن تأخر تحقيق الحلم سنوات في تجسيد رغبته في الحصول على تأشيرة دخول الولايات المتحدة التي كانت تدفع الكثيرين من مجايليه إلى ما وصل إليه، ولكن هيهات. إنّها مجرد أمان بالنسبة للأغلبية من أصدقائه، ومنهم من استطاع أن يحقق حلمه في الحصول على التأشيرة بمساعدته لهم، وبدون مقابل، لا سيما أن تردّده بصورة مستمرة على أبواب السفارات في العاصمة دمشق لفترات مطولة، أكسبه الكثير من الخبرة، فضلاً عن ركضه المتواصل، ولأيام، وفي كيفية قراءته للوثائق والأوراق المطلوب إبرازها أثناء المقابلة الشخصية، ووقوفه أمام القنصل الأميركي، المعني بمنح الموافقة على الفيزا، ومعرفته بكل تلك التفاصيل الدقيقة للوصول إلى الهدف، وهو حلم الكثير من الشباب.

هذا الحلم فتح المجال أمام العديد من زملاء العمل وأصدقائه ورفاق دربه، وأبناء حارته في السعي الحثيث لتحصيل التأشيرة الكنز التي تمكنهم من دخول بلد اقتصادي عملاق كالولايات المتحدة، وباءت مساعيهم بالفشل الذريع، ومع ذلك فإن اجتهاد عبد الرحمن لم يتوقف، بينما شقيقه الأصغر عبد المهيمن لم يرق له خبر حصوله على الفيزا التي ستفتح أمامه آمال طالما حلم بها، وهذا ما يعني أنه سيُكْسِبه الكثير من المال ما زاده غضباً وحقداً رغم مساعدته له في أكثر من مرة، وتغيرت معاملته له ومع أبنائه، وبعد حوالي شهر من حصول عبد الرحمن على إذن دخول أرض الولايات المتحدة قرر شراء تذكرة الطائرة وتأكيد الحجز والسفر بمفرده.

زيارة عبد الرحمن للولايات المتحدة كان لها طابع خاص بالنسبة لمعارفه وأصدقائه الذين فرح بعضهم في حصوله على تأشيرة الزيارة التي طالما رغب الكثيرون في السفر إليها، والبعض الآخر لم يكن يفهم أو يعي ماهية الفكرة والحيلة التي مكنته من إقناع الموظف المسؤول في السفارة أثناء المقابلة الشخصية له بمنحه تأشيرة الدخول، وهو في سنّ صغيرة نسبياً برغم إمكاناته العادية، في حين أن هناك أعداداً ليست بالقليل من الناس الراغبين في السفر إلى الولايات المتحدة، ومنهم من دخل إلى بهوها الداخلي الفسيح، لأجل عرض ما بين أيديهم، وما تتضمن حقائبهم من أوراق دسمة، ومنهم من جلب معه مبالغ مالية، والبعض الآخر اكتفى بإحضار سلاسل ذهبية غالية الثمن ظانّين بعرضها على القنصل أثناء المقابلة سيكون لها نتائجها الايجابية وتسهّل الطريق أمامه، متناسين أنَّ الإجراءات المتبعة من قبل العاملين في السفارة ليست بالأمر الهيّن، وإنّ العمل في السفارة الأميركية هذا يتطلب الخبرة والمعرفة والدراية الشخصية لمعرفة الناس الراغبين بزيارتها..

لم يكن الوصول إلى باب السفارة بالأمر اليسير، أي أنَّ المراحل التي سبقت الدخول إلى صالتها واللقاء بالقنصل المسؤول الذي يقوم بدوره بمنح التأشيرة لزيارة بلاد العم سام ليس سهلاً، وإن تجاوز مراحل كل هذه الخطوات يتطلّب جهوداً ومتابعة من نوع خاص.

كان عبد الرحمن يتردّد على مكاتب الترجمة القريبة من مبنى السفارة الأميركية، وقبل قدومه كان يَعد الوثائق المطلوبة، ويضع الخطّة اللازمة حتى يتمكن من الفوز بالحلم الذي طالما يُحقق له رغبته لا سيما أنَّ الاشتراطات كانت قاسية، وتتطلب من الراغب في السفر الكثير من الصبر والتأني ليحقق بعض أمانيه، وهذا ما جرى مع عبد الرحمن الذي كان مصراً على الحصول على الفيزا والسفر إلى بلاد يجهلها مثل الولايات المتحدة، وكل ذلك جاء بعد توظيف إمكانياته المادية والمعنوية لينهض بهذا الحلم الذي صار واقعاً في ما بعد.