انفتاح النظام السوري على الخارج أسهل من شرعية الداخل

20 يناير 2019
الصورة
تتصاعد حالة التذمّر الشعبية بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة(فرانس برس)
+ الخط -
يسعى النظام السوري إلى إعادة تأهيل نفسه للانخراط مجدداً في العالم الخارجي، وخصوصاً محيطه العربي على المستويات السياسية والاقتصادية كافة، في الوقت الذي بدأ يواجه صعوبات مع حاضنته الداخلية نتيجة الأزمات المعيشية المتلاحقة في الآونة الأخيرة، والتي بدأ الموالون للنظام يظهرون اليوم درجات أعلى من التذمر حيالها، لدرجة حديث البعض عن "ثورة جياع"، و"ثورة موالين"، بينما كانوا يلوذون بالصمت خلال السنوات الماضية، في ظلّ الحرب الداخلية التي يشنها النظام على معارضيه. وفي إطار استعداده لمرحلة الانفتاح على العالم الخارجي، أصدر النظام السوري تعليمات جديدة تتعلّق بدخول العرب والأجانب إلى البلاد عبر المطارات والحدود البرية، بالتزامن مع تحضيرات تجريها بعض شركات الطيران لاستئناف رحلاتها إلى سورية.

وحسب هذه التعليمات التي نشرتها صحيفة "الوطن" الموالية للنظام قبل يومين، طلبت "مؤسسة الطيران السورية" من مسؤوليها في الخارج "التقيد بالسماح لرعايا الدول العربية والأجنبية بالدخول إلى سورية بعد الحصول على سمة الدخول من البعثات الدبلوماسية أو القنصلية في الخارج، أو من المراكز الحدودية بعد استيفاء الرسوم، وفقاً لمبدأ المعاملة بالمثل". واستثنت التعليمات بعض الجنسيات العربية التي تخضع لأحكام خاصة، شملت الجنسيات المغربية والتونسية والليبية والعراقية والفلسطينية. ونقلت الصحيفة عن مدير الشؤون التجارية والتسويق في المؤسسة، محمد رضا عدي، قوله إنّ التعليمات تأتي بالتزامن مع توقع دخول شركات طيران جديدة إلى سورية.

وكانت ثلاث شركات طيران خليجية استطلعت في الأيام الماضية، مطار دمشق الدولي بهدف إعادة تسيير الرحلات إليه، بحسب مديرة "مؤسسة الطيران السورية"، شفاء النوري، التي قالت لوكالة "سانا" التابعة للنظام، إنّ وفوداً من شركة الطيران العماني والخليج البحرينية والاتحاد الإماراتية، اطلعت على الحالة الفنية للمطار بهدف إعادة تسيير الرحلات الجوية إلى دمشق. كما تداولت وسائل إعلام عربية، خبراً بشأن استئناف شركة "فلاي دبي" رحلاتها إلى دمشق، بعد توقف دام لسنوات، الأمر الذي نفته الشركة الأربعاء الماضي. ويأتي ذلك وسط توقعات بإعادة تنشيط العلاقات بين النظام السوري والإمارات، خصوصاً على الصعيد الاقتصادي، على خليفة إعادة افتتاح السفارة الإماراتية في دمشق أخيراً.

وكانت وزارة النقل في حكومة النظام، طلبت من القائمين على النقل الجوي "اتخاذ جميع الإجراءات والتأكد من جاهزية المطارات لاستقبال رحلات شركات الطيران وخدمتها بشكل كامل، ورفع درجات الاستعداد للتعامل مع المواقف والحالات الطارئة وتقديم أفضل الخدمات للركاب"، وذلك في إطار الإيحاء باستعادة سورية "عافيتها". وكانت حركة الدخول والخروج من وإلى سورية عبر المطارات، انخفضت منذ بدء الثورة السورية في عام 2011، بعد فرض عقوبات اقتصادية على النظام السوري، بينما نشطت المعابر الحدودية في الآونة الأخيرة وخصوصاً مع لبنان والأردن.

وتتزامن هذه التطورات مع انفتاح سياسي على النظام، تضمن فضلاً عن استئناف العمل في السفارتين الإماراتية والبحرينية في دمشق، زيارة الرئيس السوداني عمر البشير للعاصمة السورية، إلى جانب حديث متواتر عن زيارات سيقوم بها زعماء آخرون، مثل الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز. كما توقّع عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" الفلسطينية، عزام الأحمد، زيارة مماثلة للرئيس الفلسطيني، محمود عباس، إلى سورية في وقت قريب. وجاء كلام الأحمد في تصريحات له بالعاصمة السورية خلال افتتاح هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية، مكتباً لها في سورية بحضور مسؤولين من وزارة الإعلام في حكومة النظام السوري.


واللافت أنّ هذا الانفتاح على الخارج، يأتي وسط تصاعد وتيرة التذمّر في الداخل من جانب الحاضنة الشعبية للنظام، نتيجة سلسلة أزمات تتعلّق بعدم توفر الخدمات والاحتياجات الأساسية للمواطنين، مثل المازوت والغاز وحليب الأطفال، وغلاء سعر الخبز والكثير من المواد الأخرى، فضلاً عن انقطاع الكهرباء لساعات طويلة.

وقد تعالت أصوات فنانين وإعلاميين موالين للنظام السوري تشكو من سوء الأوضاع المعيشية في البلاد، إذ وجّهت الممثلة شكران مرتجى رسالة لرئيس النظام بشار الأسد، تشكو له انقطاع الغاز والمازوت والبنزين، وارتفاع إيجارات المنازل وغلاء أسعار حليب الأطفال، محملةً المسؤولية "لتجار الحروب والأزمات"، ومعتبرةً أنّ الأسد هو الشخص الوحيد الذي يستطيع سماع صوت شعبه. وتلا ذلك، شكاوى ومناشدات من المذيعة ماجدة زنبقة، والممثلين بشار إسماعيل وأيمن زيدان، إضافة للصحافي ماهر المؤنس، إلى رأس النظام، لتخليصهم من الوضع الاقتصادي المتردي والعذاب الذي يعانون منه، على حدّ وصفهم. علماً أنّ جميع هؤلاء من الموالين بشدة للنظام، والذين لم تحرّكهم سياساته سابقاً، المتمثلة في محاصرة وتجويع الكثير من المناطق السورية المعارضة، وحرمانها لسنوات من الكهرباء والمياه والوقود والدواء.

ورغم أنّ البعض يرى أنّ هذه المناشدات إنما جاءت بإيعاز من النظام نفسه، بهدف القضاء على ما تبقى من طبقة مالية غير موالية له بحجة محاربة الفساد، وبهدف إظهار رئيس النظام كملاذ للفقراء ومنقذ للبلاد، وليس مجرم حرب، إلا أنها تشير بلا شكّ إلى حالة من التذمّر لدى الموالين للنظام، الذين باتوا يشعرون بالخيبة ويعانون اليوم لتأمين احتياجاتهم الأساسية، بعدما ظنّوا أنهم سيحصلون على مكافآت نتيجة الخدمات والتضحيات التي قدموها للنظام طيلة السنوات الماضية، وهم يطالبون بمنحهم امتيازات وحقوقا إضافية عما يتمتع به باقي المواطنين، وخصوصاً أبناء المناطق التي كانت حاضنة للمعارضة.

وفي هذا السياق، تداولت صفحات موالية تسجيلاً مصوراً يظهر تهرّب رئيس حكومة النظام، عماد خميس، من الإجابة على شكوى قدمها أحد أهالي مدينة طرطوس بشأن الفساد والغلاء المستشري في المحافظة. في حين وجه محافظ درعا، محمد خالد الهنوس، إهانة إلى عدد من وجهاء المحافظة خلال اجتماع معه لبحث سوء الأحوال المعيشية، وعجز حكومة النظام عن تأمين الغاز والكهرباء والمازوت والماء وحليب الأطفال، للمواطنين.

وفي التفاصيل، قال "تجمع أحرار حوران" إنّ عدداً من وجهاء درعا اجتمعوا الأحد الماضي مع الهنوس في مبنى المحافظة، واستمع لمطالبهم بضرورة تأمين الغاز والطحين والكهرباء، إضافة إلى ترميم شبكة المياه المدمرة، ليفاجأ الوفد برد الهنوس على مطالبهم بالقول: "هذا الموجود واللي مو عاجبو الحدود بتفوّت جمل، الله معاكن عندي شغل". وقال ناشطون إن ردّ الهنوس أعاد للأذهان ردّ رئيس فرع الأمن السياسي في درعا، عاطف نجيب، عندما أهان وفداً من المحافظة أثناء مطالبته بأطفال درعا الذين كتبوا عبارات مناهضة ضدّ نظام الأسد، والتي أشعلت شرارة الثورة السورية في مارس/آذار 2011.

وفي محافظة السويداء المجاورة، ذكر موقع "السويداء 24" أنّ سائقي الحافلات في أربع قرى في ريف السويداء الغربي، يشتكون من عدم استلام مخصصاتهم من مادة المازوت، ما قد يجبرهم على الإضراب عن العمل في الأيام المقبلة.

وترى بعض الأوساط الموالية للنظام، أنّ الأزمات المعيشية الحالية مفتعلة من جانب روسيا بهدف تشكيل "حيتان مالية جديدة موالية للرّوس"، وفق تعبير أحد الكتاب الموالين للنظام، الذي أشار إلى أنّ "موالين لروسيا قاموا بتعطيل صفقات لاستيراد الغاز المنزلي، بهدف حصرها بهم وحدهم". واعتبر الكاتب أنّ "الرّوس في الحرب حلفاء للنظام وإيران، لكن في السلم هم حلفاء لتركيا وأميركا وإسرائيل".

وتتزامن هذه الأوضاع الصعبة، مع ضغوط متزايدة تمارسها أجهزة النظام على بعض المناطق بهدف سوق أبنائها للخدمة العسكرية. وقد أصدرت وزارة الدفاع التابعة للنظام السوري، منذ مطلع العام الحالي، قوائم تضمّ أكثر من 15 ألف اسم من المطلوبين للخدمة الاحتياطية، وفق موقع "صوت العاصمة"، الذي أوضح أنّ أعمار المطلوبين تتراوح بين 28 عاما و40 عاماً. وقال الموقع إنّ دوريات للشرطة العسكرية تجول على مدار الساعة في أحياء مدينة دمشق، خصوصاً في مناطق التجمعات البشرية في أوقات الذروة، كجسر الرئيس والبرامكة وكراج السومرية وكراجات العباسيين، وتقوم بإيقاف المارة عشوائياً، مُشاة وركّابا في السيارات العامة والخاصة، لإجراء التحري الأمني، بحثاً عن مطلوبين للتجنيد الإجباري. كما تشهد المناطق التي خضعت أخيراً للتسويات الأمنية، بعد سيطرة النظام السوري عليها، وتهجير فصائل المُعارضة منها نحو شمال سورية، عمليات تجنيد إجباري وإصدارا لقوائم تضم آلاف المطلوبين دورياً.

المساهمون