انتخابات الشرق الألماني: فوز اليمين الشعبوي يدفع الأحزاب لمناقشة العواقب

04 سبتمبر 2019
الصورة
قلق لدى الأحزاب الألمانية التقليدية من تقدم "البديل"(فرانس برس)

أظهرت نتائج الانتخابات في ولايتي سكسونيا وبراندبورغ، شرق البلاد، أن حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني الشعبوي، أنهى مقولة أن حزب اليسار هو حزب الاحتجاج والاعتراض على الطبقة السياسية الحاكمة، والمدافع الأول عن مصالح الألمان هناك، في وقت استطاع حزب الخضر فرض نفسه كشريك مبدئي ثالث في أي ائتلاف حكومي مرتقب، وكراع حقيقي لمتطلبات الأجيال المقبلة بطروحاته المتقدمة في ملفات البيئة والمناخ والرقمنة والعولمة، وبات الخوف من أن يعقد سيرورة الحكم للأحزاب التقليدية، في ظل تمسكه ببعض القضايا ونيته التوافق عليها قبل دخوله السلطة.

القلق من تقدم "البديل" عبر عنه فريدريش ميرتس، نائب رئيس المجلس الاقتصادي في حزب المستشارة أنغيلا ميركل، والمرشح الذي خاض المنافسة مع زعيمة الحزب الجديدة انغريت كرامب كارنباور لقيادة "المسيحي الديمقراطي". ورأى في حديث مع وكالة الأنباء الألمانية أن نتيجة اليمين الشعبوي "مقلقة للغاية"، مؤكداً في الوقت عينه وجود "مشكلة كبرى في جميع أنحاء ألمانيا". هذا الأمر انسحب أيضاً على مواقف العديد من الأحزاب الأخرى التي أفصحت عن نيتها مناقشة العواقب بعد النتائج الصادمة التي حققها "البديل"، واستخلاص العبر، بينها حزب اليسار.

إلى ذلك، أوصى العديد من السياسيين بضرورة تغيير الاستراتيجية في التعاطي مع ناخبي اليمين الشعبوي، بينهم نائب رئيس "الليبرالي الحر"، فولفغانغ كوبيكي، الذي قال في حديث صحافي إن "السياسة المتمثلة بالحد من راديكاليتهم لم تنفع، لا بل بالعكس أضرت بنا؛ علينا أن نكون أكثر انفتاحا وتواصلا مع البديل وناخبيه".

بدورها، ذهبت الزعيمة المنتمية إلى اليسار سارة فاغنكنيشت، في حديثها لشبكة التحرير الألمانية، إلى الحديث عن وجود مسؤولية مشتركة من قبل حزبها والآخرين على نجاحات "البديل"، في وقت قالت فيه زعيمة المسيحي الديمقراطي، إنغريت كرامب كارنباور، إن نتائج الانتخابات كانت صعبة، مبرزة أن الأمر يتطلب المزيد من القدرة على الاستماع إلى الأفكار، ومضيفة أن حزبها يمر بأوقات عصيبة منذ الانتخابات العامة عام 2017.

من جهته، دعا "الاشتراكي الديمقراطي"، الذي طاولته أيضا خسائر فادحة في الانتخابات، ولا سيما في سكسونيا، على لسان أمينه العام، لارس كلينغبايل، الشريك في الائتلاف المسيحي الديمقراطي إلى التحرك، مشددا على أهمية القرارات السياسية الملموسة والمرئية لمساعدة الناس، ومبرزا أنها استراتيجية يجب القتال من أجلها لاسترداد الناخبين من خلال التركيز على قضايا واقعية، بينها سد نقص المعلمين وعناصر الشرطة ورفع مستوى البنية التحتية وشبكة الإنترنت السريع والنقل العام، بحسب ما ذكرت شبكة "إيه آر دي الإخبارية".

وعن إمكانية تقبل الجمهور لـ"البديل" في الحكم وفتح أحزاب السلطة كوة في التفاوض معه، من أجل مشاركته في الحكم مستقبلا، قال الباحث السياسي فورلنديرز، في مقابلة صحافية، "الأمر يعتمد على عاملين: أولا مدى نجاح تحالف ثلاثي الأحزاب في سكسونيا، وقوة التشنجات السياسية وانسحابها على مصالح المواطنين؛ ثانيا مدى تطور وضع البديل إذا ما هدأت الصراعات الحزبية الداخلية". من هنا رأى أنه قد تنشأ صورة مختلفة، أي نجاح الخط المعتدل، وهو الأقل ترجيحا، لافتا كذلك إلى أنه إذا ما تعاظم دور القوى المتطرفة في الحزب فإنها ستهمش نفسها.

وتجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أن زعيم "البديل" ألكسندر غاولاند أقرّ للقناة الأولى في التلفزيون الألماني، أنه وعلى ضوء النتائج التي حققها حزبه، فإن المطالبات داخل المسيحي الديمقراطي ستتزايد لإجراء مباحثات مع "البديل"، قبل أن يلفت إلى أن كثيرا من المواطنين في ولاية سكسونيا يرغبون في أغلبية مدنية، وحزبه مستعد لها.

هذا الواقع فرضته أصوات الناخبين في صناديق الاقتراع، إذ لم ينل حزب المستشارة أنغيلا ميركل في ولاية براندبورغ مثلا سوى 15,6% من الأصوات، والاشتراكي الديمقراطي أقل من 8% في سكسونيا، ما اعتبر دليلا إضافيا على أزمة الأحزاب الشعبية، رغم إعلان البعض من مسؤولي الأحزاب الحاكمة أنها استطاعت إحباط النصر الانتخابي لليمين العشبوي.

إلى ذلك، كانت لافتة قدرة "البديل" على تجيير الآلاف من الأصوات لصالحه من خلال تحشيده للناخبين في كلتا الولايتين، حيث رصدت البيانات في سكسونيا أن حملة "البديل" الانتخابية استطاعت استمالة 226 ألف صوت، وفي براندنبورغ 107 أصوات، ما أدى إلى ارتفاع في نسبة التصويت، والتي بلغت 61,3% في براندنبورغ و66,6% في سكسونيا، وهذا ما كان محط أنظار المتابعين، بعد أن كانت النسبة لا تتجاوز 48% في الدورات السابقة.

وبحسب الخبراء، فإن هذا يثبت أن هناك ناخبين غير راضين عن الوضع القائم، وبالتالي رضخوا سابقا لفكرة عدم التصويت، والآن يبدو أن هؤلاء تلقوا عرضا سياسيا من قبل "البديل" وعمدوا إلى التحشيد، وأصبحوا مرة أخرى جزءا من تركيبة النظام السياسي، ولهم ممثلون في البرلمان، وأغلبيتهم من أصحاب المكانة الاجتماعية المتوسطة وتعمل في وظائف محفوفة بالمخاطر.

في المحصلة، فإن المبارزة الانتخابية التي حصلت يوم الأحد الماضي، كانت بمثابة إشارة إلى أن التجديد بدأ وسيستمر مع كل العواقب، في ظل استمرار تخاذل الائتلاف الحاكم في إيجاد الحلول الجذرية وعدم تمكنه من مد جسور التواصل حول مسارات معينة، بينها سياسة المناخ ومعالجة أزمة اللاجئين.

دلالات