النظام الرأسمالي العالمي هو القاتل

29 مارس 2020
الصورة
+ الخط -
كشف فيروس عابر للحدود هشاشة العولمة الرأسمالية أمام تهديد موتٍ لا يفرّق بين الشعوب أو الأعراق أو الطبقات وبين حكام وشعوب، إذ يستطيع الوصول إلى الجميع، والنخب غير محصّنة، وإنْ تعتمد على قدرتها المالية، للحصول على أحدث العلاجات والرعاية الطبية. وعولمة الرأسمالية مبنية على إحكام هيمنة الدول الكبرى والشركات العالمية على الحركة الاقتصادية في العالم. ولذا سعت إلى فرض شروط وتغييرات هيكلية على معظم الدول، باسم إعادة الهيكلة ولبرلة السوق. ضربت الرعاية الاجتماعية للدولة، فتحصنت النخب خلف امتيازاتها، فيما توسعت رقعة التهميش والحرمان، وكأن ما يصيب الأغلبية في العالم لن يؤثر على شريحة الواحد بالمائة التي تسيطر على ثروات العالم وعلى ممتلكاتها وأرباحها. 
هو نظام يسخر العلم لاكتشافات هائلة، لكن حسابات الربح والخسارة وتكديس الأموال تحرم أغلبية في شتى أنحاء العالم من الاستفادة منها، فكل شيء بثمنه، من دواء وعلاجات وسرير في مستشفى. وعلى الرغم من كل مآسي العالم من أوبئة وأمراض مستعصية، لم تتغير أولوية الحفاظ على نظام تحقيق الأرباح القصوى، فتعاملت الدول الرأسمالية الكبرى باستهتار بحياة شعوب، بما في ذلك فئات واسعة من شعوبها. ثم جاء فيروس كورونا المستجد، ولا يفرق بين حي فقير وشارع المال (وول ستريت)، وغير معني بأسعار الأسهم في مؤشر ناسداك، وأصاب رؤساء وملوكا، فتركيبته لا تسمح له بغير الاستمرار في الأذى، متشبها بالنظام الرأسمالي المتوحش
 نفسه، ولكن هذه تركيبته، فالرئيس الأميركي ترامب، يستطيع منع المكسيكيين من الدخول إلى بلاده عبر الحدود، لكنه لا يستطيع بناء جدار لمنع دخول كورونا. وإسرائيل تعزل الفلسطينيين بالقوة العسكرية وجدار الضم العنصري، لكنها لا تستطيع أن تحمي نفسها من كورونا، فجزء كبير من قوة إسرائيل هو في خدمتها، وكونها، نظاما وهيكلية، تخدم أذرع الرأسمالية المعولمة، خصوصا الأسلحة ونظم السيطرة والتجسس الإلكترونية، وهي في الأصل كيان كولونيالي عنصري، فحتى أنظمة الكيانات الأصيلة، عربية وغير عربية، اعتقدت أن دورها الوظيفي يحتم تعميق ارتباطها بالعولمة الرأسمالية، وأن هذا ينجيها من غضب الولايات المتحدة، ويضمن استمرار أنظمتها.
بدأت النتيجة في انسحاب الدول من الرعاية الاجتماعية والخدمات الأساسية، وقد غرقت في الخصخصة والمديونية، وكله باسم النمو المنشود الذي لم يتحقق، وتم ذلك كله على حساب التنمية والعدالة الاجتماعية، ومع ضعف النظام الصحي وغياب الجاهزية لوباء أقل عدوانية من كورونا. وانفضحت الصورة كاملة بانكشاف الجهاز الصحي الأميركي، بعد عقود من تقويض نظام الرعاية الصحية، لصالح شركات التأمين، عبادة في الربح وتكديس الأرباح. وقد يكون ترامب الأكثر عنجهية في التعبير عن ازدرائه الحياة البشرية، لكنه نظام كامل لم يبدأ بترامب، وإن يقوده إلى هوة سحيقة، فرئيسة الوزراء البريطانية، مارغريت تاتشر، في الثمانينيات، كانت أول من قاد وبجسارة انسحاب الدولة من واجباتها، وفي محاربة حقوق العمال، شاركها في ذلك الرئيس الأميركي رونالد ريغان، متسلحا بدعم اللوبيات الصناعية، ومنها صناعات الدواء والأسلحة، وبنظريات الاقتصادي ميلتون فريدمان، للانقلاب على ما عرفت بالصفقة الجديدة التي حاولت إنقاذ الرأسمالية من خلال ممارسة الدول لدور هام في الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي.
مشكلة كل من قام بالتنظير لانتصار الرأسمالية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، من علماء ومفكرين، أنهم كانوا مخدوعين أو مرتبطين مصلحيا وماليا في دوائر رأس المال العالمي، وسخروا من تحذيرات المفكرين ومن كارل ماركس نفسه، ورفضوها، فيما لم يدّعِ الأخير أنه ينشر دينا جديدا، بل كتب، ورفيقه أنجلز، تشريحا اقتصاديا اجتماعياً للنظام الرأسمالي وتداعياته على المجتمع والبشرية. ولكن اللبرالية الجديدة، أي لبرلة النظم السياسية والاقتصادية، من خصخصة ورفع دعم عن المواد الأساسية، لم تضع أسس نظم اقتصادية منتجة، ولا شبكة ضمان اجتماعي. وقد أصبحت هذه النيوليبرالية ديناً جديدا تبنّاه كتاب ومفكرون، وحتى مثقفون مرموقون، لبوا الدعوات إلى مؤتمرات دافوس المسماة خداعا بالاجتماعية، وانتشوا برفقة الرؤساء والنجوم وأثريا العالم، وقبلوا أن يكونوا ديكورات ضرورية، ولكن لا مكان لها في الحقيقة، لتجميل بشاعةٍ تزاوج الرأسمال العالمي بالسياسة.
لم يكن تأسيس أنظمة صحية في خدمة الجميع ضمن برنامج النيوليبرالية، ولا توفير أدوية بأسعار معقولة، خصوصا للفئات المهمشة والمسحوقة، وحين يتم توفيرها، تكون على شكل هبات أو 
تبرعات، أي مكرمات، فلا اعتراف بحقوق الرعاية الصحية، وما شوهد في العقود الماضية أن الأولوية عادة في حالة انتشار وباء هي لاحتوائه في رقعة بعيدة عن العالم "المتحضر"، بحيث لا يقض مضاجع من يسيطر على الثروات، وفضيحة (أو مأساة) انتشار وباء إيبولا في دول غرب أفريقيا خير مثال على الوجه القبيح للامبالاة، إذ لم ينتشر المرض في أوروبا، ولم يعبر المحيط إلى أميركا. حصد حوالي أربعة آلاف حياة في غرب أفريقيا بين عامي 2014 و2016، ولم يتحرّك العالم بالسرعة اللازمة. ولا يُنسى أن الشركات الكبيرة للأدوية رفضت، عندما انتشر مرض الإيدز في أفريقيا، توفير الأدوية العلاجية والسماح لشركات أفريقية بإنتاجه، وانبرى لها المناضل نيلسون مانديلا وكان في حينها رئيسا لجنوب أفريقيا، مطالبا بحقوق الشعوب بالحصول على العلاج، بعيدا عن احتكارات مجمعات الأدوية ونفوذها، فليس سرّا أنها تدعم السياسيين والمرشحين من خلال أقنية "مشروعة" في الانتخابات الرئاسية ومجلسي النواب والشيوخ، وتمارس نفوذها على المسؤولين في دول كثيرة.
وقد ساعد تأخر ترامب في الاستجابة بجدية لنداءات المختصين وتحذيراتهم في سرعة انتشار كورونا المستجد في الولايات المتحدة إلى أعداد في الإصابات بالفيروس فاقت دولا أخرى بما فيها الصين، ولكن عجز النظام الصحي الأميركي، كما تبدّى في نقص معدات وكوادر وقلة الجاهزية، هو نتيجة تراكمية لسياسات وضع الربح في المرتبة الأولى، وربما المرتبة المليون أيضا قبل الرعاية الصحية وحقوق الإنسان، وهذا درس للجميع، خصوصا في دولنا التي رضخت، وتبنّى بعضها سياسات اللبرلة الاقتصادية، وانسحاب الدولة، بحماس شديد، ما أدى إلى تبديد الثروات، بدلا من استثمارها في القطاعات الحيوية.
ولا يمكن التقليل هنا من الفساد المالي في وصول العالم إلى مدى من العزلة والذعر غير مسبوق في العصر الحديث، فنحن نكتب ولا نعرف مصير العالم أو مصيرنا الشخصي، إلا بدرجة قد يشعر المرء فيها بأنه لا فائدة من الكتابة، فكل من عارض النظام العالمي القائم تم تهميشه، وحركة مناهضة العولمة التي انطلقت في التسعينيات تم تهميشها، بل والهزء منها أيضا، فمشكلة النظام الرأسمالي العالمي في عهد كورونا أنه يساهم في إغراقنا جميعا، إلا إذا اقتضت حساباته المالية محاولة إنقاذ البشرية، رغبة في إنقاذ نفسه، وجرّنا إلى مصيبة جديدة، إذا لم نتصدّ لها.