الموصل: التحرر من "داعش" لا يعني انتهاء الظلم

31 يوليو 2018
الصورة
الموصل تحتوي على نحو 50 فصيلاً مسلحاً(أحمد الربيعي/فرانس برس)


بعد أكثر من عام على إعلان القوات العراقية تحرير مدينة الموصل، عاصمة محافظة نينوى، شمال العراق، بشكل كامل من سيطرة تنظيم "داعش" الإرهابي، ما زال سكان المدينة يتعرضون لممارسات مستفزة من قبل فصائل في مليشيا "الحشد الشعبي"، وكذلك مليشيات عشائرية سنية وأخرى ترتكبها مليشيات أيزيدية ومسيحية وشبكية مدعومة من جهات عدة، أبرزها واشنطن والحكومة العراقية، وتوجد في سهل نينوى.

ودفعت الأوضاع الأمنية المتدهورة في الموصل سكان المدينة إلى مخاطبة رئيس الوزراء، حيدر العبادي، وقادة "الحشد الشعبي"، وطلب مساعدتهم للتخلص من ممارسات عناصر في المليشيا، وذلك من خلال رسالة اطلعت على مضمونها "العربي الجديد". وجاء في الرسالة التي وجهت للعبادي، ونائب رئيس مليشيا "الحشد الشعبي"، أبو مهدي المهندس، والقيادي في "الحشد"، هادي العامري، أنه "لا يخفى عليكم حجم التضحيات التي قدمتها القوات الأمنية البطلة في معركة تحرير الموصل. كما لا يخفى عليكم حجم التضحيات التي قدمها أهالي الموصل الذين دفعوا الدماء والأموال لتحرير مدينتهم من براثن تنظيم داعش". وأوضحت أن من أهم أسباب سقوط الموصل بيد التنظيم كان المعاملة السيئة، وبعض تصرفات ضباط الجيش والشرطة الاتحادية، فضلاً عن عمليات الابتزاز المالي التي كانت تمارسها القيادات الأمنية الموجودة في ذلك الحين.

وأشارت الرسالة إلى أن جميع تلك الأمور تسببت بهوة واسعة بين القوات العراقية وأبناء الموصل، حتى حدث ما حدث، في إشارة إلى سقوط المدينة بيد "داعش" منتصف العام 2014. ووضع أهالي الموصل عدداً من الحقائق المتعلقة بانتهاكات "الحشد الشعبي" أمام العبادي والمهندس والعامري، أبرزها تفريغ المدينة من الحديد الذي خلفته الحرب، من خلال تهريبه إلى إقليم كردستان وبقية مدن العراق، والسيطرة على الأراضي التابعة لديوان الوقف السني بالإكراه، وشرائها بمبالغ زهيدة، وابتزاز شاغلي تلك الأراضي والأملاك. وأشاروا إلى قيام فصائل تابعة لـ"الحشد الشعبي" بالتجاوز والسيطرة على أملاك بلدية الموصل، والتدخل في عملها، والاستحواذ على أراضيها، تجاوزاً أو بيعاً، بالإضافة إلى القيام بعمليات ابتزاز للأغنياء وأولادهم، لافتين إلى قيام المليشيا بالإشراف على عمليات تهريب النفط والوقود إلى إقليم كردستان، من أجل خلق أزمة وقود في المدينة. وأكدوا قيام المليشيات بالسيطرة على أملاك الوقف المسيحي في سهل نينوى وزراعة الأراضي عنوة، بالإضافة إلى ابتزاز الفلاحين الموجودين في تلك المناطق واعتقال من يرفض طلباتهم، وإرغام سائقي الشاحنات الذين يريدون دخول الموصل بحمولاتهم على دفع مبالغ مالية طائلة.

وأشارت الرسالة، التي وقعت عليها مجموعة من أهالي الموصل، إلى أنه "تم إيقاف أي عملية بيع أو شراء للعقارات من دون الحصول على موافقة اللواء رقم 30 (حشد الشبك)"، فضلاً عن عرقلة أي عملية بناء تتم داخل مدينة الموصل من خلال ابتزاز المقاولين، وهي الأساليب نفسها التي كان يستخدمها تنظيم "داعش" المجرم، وفقاً للرسالة. وقال أهالي الموصل في مناشدتهم: "هذا غيض من فيض، وما خفي كان أعظم. هل من المعقول أن جهاز الأمن الوطني، واستخبارات الحشد الشعبي، لم تنقل إليكم هذه المعلومات وغيرها؟ أليس من المعيب أن تتكرر هذه الأساليب؟ ونحن نخط إليكم هذه الرسالة وردنا خبر عن قيام عناصر من حشد العصائب بقتل أحد منتسبي شرطة نينوى في منطقة الغابات. ألم تتعظوا مما حدث، أم أن أنهار الدم التي سالت لا قيمة لها لديكم؟"، محذرين من مأساة كبيرة ومخيفة جداً إذا لم تتم المعالجة السريعة لما يحدث في الموصل.



وتحدثت مصادر في مجلس محافظة نينوى (الحكومة المحلية)، عن وجود أكثر من جهة حاكمة في الموصل، أبرزها المليشيات والجيش، وأضعفها الشرطة والقضاء والمجلس المحلي. وقال أحد أعضاء المجلس، الذي طلب عدم ذكر اسمه، لـ"العربي الجديد"، إن "موضوع الإتاوات في الموصل بات أمراً عادياً". وأضاف أن "دخول الضابط أو عنصر الأمن أو فرد المليشيا إلى المطعم والأكل دون دفع المال أمر عادي، وموضوع الدخول إلى البقالات أو الدكاكين وأخذ ما يريدون أمر عادي أيضاً، والذي حظه عاثر فقط يعترض أو يطالبهم بالكف عن ذلك، كونه سيُتهم بأنه من المتعاونين مع داعش خلال احتلاله المدينة". وتابع "قبل أيام صاحب سكلة (ساحة بيع الحصى ورمل البناء والإسمنت)، اشتكى لنا بأن مليشيا العصائب طالبته بدفترين ونصف الدفتر (25 ألف دولار)، ولم نتمكن من فعل شيء له، وعلمنا أنه وسّط شخصية معروفة وجعلها دفتر واحد (10 آلاف دولار)". وقال إن "عبارة نحن حررناكم، ونحن حمينا أعراضكم، ولولانا لما كنتم هنا، ونحن من خلصكم من داعش، باتت معزوفة قبل كل عملية إتاوة أو سلب أو ابتزاز للناس"، معتبرا أن "الموصل وقعت ضحية الحراك السياسي لتشكيل الحكومة، كون العبادي يصم أذنيه عن تجاوزات مليشيات عدة لها نفوذ في قائمة الفتح وقائمة الحكمة وحتى قائمة القرار السنية".

ويشكو أهالي محافظة نينوى بشكل متكرر من ممارسات المليشيات، التي قالوا إنها عكرت صفو المدينة بعد تحريرها من سيطرة تنظيم "داعش". وقال أحمد صبحي، وهو أحد منتسبي مرور نينوى، إن مواكب "الحشد الشعبي" التي تجوب مدينة الموصل ليل نهار تسبب الإرباك في المدينة، موضحاً، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنها غالباً ما تكون مصحوبة بمنبهات السيارات، أو إطلاق النار في الهواء أحياناً لفتح الطريق أمامهم. وأضاف "لا أحد يجرؤ على رفض هذه الممارسات، لأن مصيره سيكون الإهانة في أحسن الأحوال"، داعيا السلطات المحلية والحكومة المركزية في بغداد إلى وضع حد لهذه الممارسات. وأكد مصدر في شرطة مدينة الموصل أن قوة تابعة لمليشيا "عصائب أهل الحق"، المنضوية ضمن "الحشد الشعبي"، قتلت، ليلة الثلاثاء ــ الأربعاء الماضي، شرطياً عراقياً في منطقة الغابات، شمال الموصل، موضحاً، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن القوة أطلقت النار على دورية للشرطة جاءت لفض نزاع بين أفراد من "العصائب" ومدنيين. وفي السياق، أكد النائب السابق عن محافظة نينوى، عبد الرحمن اللويزي، أنه حذر منذ أيام من خطورة الأوضاع في الموصل، مبيناً، في تصريح على صفحته في موقع "فيسبوك"، من أن هذا الأمر قد يتسبب باستعادة "داعش" زمام المبادرة من جديد من خلال تنظيم نفسه في مجاميع صغيرة قد تستأنف نشاطها الإرهابي. وأشار إلى أن القوات العراقية سارعت لنفي ذلك. لكن العضو السابق في تحالف القوى العراقية، فيصل الجبوري، أكد أن الأوضاع في الموصل تسوء يوماً بعد آخر، مبيناً، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن فصائل "الحشد الشعبي" تمارس وبشكل يومي انتهاكات فاضحة بحق السكان المدنيين. وأشار إلى أن هذه الانتهاكات مستمرة، ومن دون أية معالجات من قبل القيادات الأمنية أو الحكومة المحلية، موضحاً أن الحل يكمن في إبعاد المليشيات عن مدينة الموصل.

وحول ذلك، قال عضو مجلس الموصل السابق، أحمد عطا الله، لـ"العربي الجديد"، إن "الموصل تحتوي الآن على نحو 50 فصيلاً مسلحاً، كلها تزعم أنها حررت الناس وحمتهم وخلصتهم من داعش، ومقابل ذلك يتورط غالبيتهم بابتزاز الناس والتسلط عليهم بطرق مختلفة". وأضاف أن "المليشيات الموجودة بالموصل اليوم كثيرة، مثلاً هناك 39 تابعة للحشد الشعبي تنتشر داخل الموصل وضواحيها، واثنتين مسيحية وأربع أيزيدية، واثنتين شبكية توجد في سهل نينوى والمناطق ذات الغالبية المسيحية وقرى الأقليات، ولدينا ست مليشيات سنية، 2 منها تعود لقبيلة شمر. وكل هذه المليشيات تتورط بجرائم ابتزاز وسرقة وتسلط على الناس. والغريب أن المليشيا المسيحية تتسلط على المسيحيين وليس على المسلمين فقط، والمليشيات القبلية (السنية) تتسلط على أبناء مناطقها، وهناك حالة أو صورة مشوشة للجيش العراقي الذي بات يتخذ دور الديك الذي لا ينفع بشيء حيال تجاوزات تلك المليشيات". واعتبر أن "تورط ضباط من الجيش العراقي بالظلم في الموصل عامل رئيسي لاستمرار الوضع المزري في المدينة". وأضاف "كنا عندما يُقتل مواطن نقول هم لا غيرهم السفلة الدواعش، والآن لا ندري من يقتل ومن يعتقل ومن يبتز، والناس في حيرة، وباتت تخاف حتى من ظلها، لذا لن نستغرب من موجة نزوح جديدة من الموصل بسبب المليشيات".