المهاجرون السريون... تخوّف من ضغوط أوروبية لإيوائهم في تونس

16 أكتوبر 2019
الصورة
أُنقذوا من قبل خفر السواحل (فتحي نصري/ فرانس برس)
+ الخط -
تستمرّ أزمة المهاجرين السريين في تونس. ويبدو أن إيطاليا تنوي ممارسة الضغوط على البلاد من أجل إيواء المزيد من المهاجرين، على الرغم من الرفض الرسمي. أقلّه، هذا ما تخشاه منظمات المجتمع المدني  

يخشى ناشطون في منظمات المجتمع المدني في تونس أن تمارس دول أوروبية ضغوطاً عليها من أجل إيواء المزيد من المهاجرين السريين في مخيمات، في مقابل الحصول على مساعدات، على الرغم من تأكيد مسؤولين رسميّين رفض البلاد مخيّمات اللجوء. وزادت مخاوف المنظمات عقب تداول وسائل إعلام إيطالية محتوى اللقاء الذي جمع وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي بنظيره الإيطالي لودجي دي مايو، على هامش أعمال الدورة 74 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر/ أيلول الماضي، والذي تناول موضوع تصنيف الموانئ التونسية كموانئ آمنة تمهيداً لتوجيه المهاجرين الذين يُنقَذون في البحر المتوسط إلى تونس، في مقابل دعم اقتصادي واستثمارات إيطالية. وتطرّق اللقاء، بحسب الجانب الرسمي التونسي، إلى سبل تعزيز علاقات الصداقة والتعاون الثنائي بين البلدين الصديقين، ولا سيما في المجالات ذات الأولوية.

ويُحذّر المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية المهتم بملفّ الهجرة من خطورة الضغوط الرسمية الإيطالية على تونس في قضايا الهجرة، بشكل يمسّ بسيادة تونس واستقرارها ومبادئ الدستور، وينسف كل تعاون قائم على احترام سيادة الدول من أجل بحر متوسط متضامن وعادل يحفظ حقوق المهاجرين. ويلفت رئيس المنتدى عبد الرحمن الهذيلي إلى مواصلة دعوة الحكومات التونسية إلى تعليق كل الاتفاقيات الثنائية الموقعة مع السلطات الإيطالية في ما يخصّ الترحيل الجماعي، الذي يستمر منذ سنوات من دون أدنى احترام للمعاهدات الدولية.

يضيف الهذيلي لـ "العربي الجديد": "في الوقت الحالي، لا يمكن تصنيف موانئ تونس كموانئ آمنة، في ظل عدم توفير القوانين المحلية الحماية لطالبي اللجوء والمهاجرين، إضافة إلى عجز المنظمات الأممية والوطنية في تونس عن تأمين الخدمات الأساسية لهذه الفئات". ويشير إلى استمرار مأساة لاجئي مخيم الشوشة جنوب تونس، الذين يواجهون ظروفاً إنسانية صعبة، بعدما تخلت المنظمات الدولية عن القيام بواجبها حيالهم. ويرى أن الأزمة الإنسانية في هذا المخيم (محافظة مدنين جنوب تونس) ما زالت قائمة، ما يشير إلى ضرورة التعامل مع ملف الهجرة بعيداً عن أية ضغوط.



وقال وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو، إنه سيزور المغرب قريباً لتعزيز الاتفاقات الخاصة بإعادة المهاجرين إلى أوطانهم. أضاف أن "بلاده قد أبرمت سابقاً اتفاقات مع المغرب وتونس بشأن عمليات الإعادة، لكن هذه الاتفاقات تحتاج إلى تعزيز، أو التصديق عليها".
وأعلن أنه سيزور هذين البلدين الواقعين شمال أفريقيا، مبيناً أنه "في حالة المغرب، هناك اتفاق لم يُصدَّق عليه"، متذمراً من حقيقة أن "العلاقات مع الرباط لم تتعزز خلال السنوات الأخيرة". وأشار إلى أن "المغرب، سيكون وجهة رحلاته المقبلة إلى جانب تونس"، موضحاً أنه في تونس سيطلب عقد "اجتماع لمجموعة العمل الإيطالية التونسية"، بهدف "زيادة عمليات الإعادة إلى الوطن" (المهاجرون السريون). وخلص دي مايو إلى أن "هناك انتخابات جارية في تونس، لكننا نريد التحدث في أقرب وقت ممكن مع الحكومة الجديدة لتنفيذ بنود الاتفاقية المتعلقة بترحيل المهاجرين".

مهاجرون سريون في تونس (فتحي نصري/ فرانس برس) 


إلى ذلك، يحمّل منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الدول الأوروبية مسؤولية إنقاذ الأرواح في المتوسط واستقبال المهاجرين على موانئها، مشدداً على تمسكه بالموقف التونسي الرسمي المعلن منذ عام 2018، والرافض أن تكون تونس منصة إنزال وإيواء وفرز للمهاجرين السريين، محذراً من أيّ التفاف على هذا الموقف.

ويرى المنتدى أن الضغوط الرسمية الإيطالية على تونس في ما يتعلق بقضايا الهجرة تمسّ بسيادة تونس واستقرارها ومبادئ دستورها، وتنسف كل تعاون قائم على احترام سيادة الدول من أجل بحر متوسط متضامن وعادل يحفظ حقوق المهاجرين. كما تدين سياسات الابتزاز والمساعدات المشروطة التي تفرضها دول أوروبية على تونس، وربطها بمدى التزام تطبيق الإملاءات في ما يسمى "مكافحة الهجرة غير النظامية"، ما ينسف كل حديث عن شراكة متوازنة وعادلة وتعاون من أجل السلام والعدالة.

وتأتي المخاوف التونسية من الضغوط الأوروبية، في ظلّ توجّه رسمي إيطالي لحكومة جيسابو كونتي لتصنيف أكثر عدد ممكن من الدول والموانئ بـ "الآمنة"، وبالتالي بإمكانها استقبال المهاجرين، إضافة إلى تكثيف عمليات الترحيل القسري.



إلى ذلك، تقول الباحثة في سياسات الهجرة قمر بن يوسف، إن "دراسة التحديات التي تفرضها عمليات الإنقاذ البحري تكشف مواجهة القانون الدولي صعوبات جسيمة من أجل إيجاد حلول مناسبة للهجرة غير الشرعية في البحر". تضيف أنه بعد الأحداث المأساوية التي شهدها المتوسط خلال السنوات الأخيرة، تبيّن أن القوانين لا تستجيب للمشاكل التي تواجهها الدول المهددة، مشيرة إلى أن "المشاكل التي تواجهها الدول التي تعاني من جراء الهجرة غير النظامية تعتمد على مقاربتين: الأولى تتبناها المنظمات غير الحكومية العاملة على إنقاذ القوارب المنكوبة، في تناغم تام مع القانون الدولي لحقوق المهاجرين. والثانية تتبناها الدول الراغبة في محاربة الهجرة غير النظامية والسيطرة على حدودها، غير عابئة بحقوق المهاجرين وقانون البحار".

في الآونة الأخيرة، ازدادت الضغوط الإعلامية والرسمية حيال تونس، بحجة عدم قدرتها على ضبط الحدود البحرية، على الرغم من أن عدد الواصلين إلى إيطاليا من جراء الهجرة غير الشرعية بدءاً من يناير/ كانون الثاني وحتى نهاية أغسطس/ آب الماضي انخفض بمعدل ثلاث مرات، من 3812 مهاجراً في عام 2018، إلى 1326 مهاجراً في عام 2019، إضافة الى انخفاض عدد المهاجرين الذين أحبطت محاولاتهم في الفترة نفسها إلى 2280 مهاجراً في مقابل 3720 مهاجراً في عام 2018.

المساهمون