المناطق المتنازع عليها: لغم أميركي لمستقبل العراق

03 ديسمبر 2016
الصورة
هُجر بعض السكان من مناطقهم لأسباب طائفية (هجار رشيد/الأناضول)


من بين عشرات القضايا التي ارتبطت بمشاكل طائفية وقومية ودينية ظهرت بعد الاحتلال الأميركي للعراق وما زالت تهدد أمن واستقرار البلاد ووحدته، هي "المناطق المتنازع عليها"، وهو مصطلح تم إقراره من أول مجلس حكم انتقالي في البلاد بعد الاحتلال بأشهر عدة، الذي أطلق عليه اسم "مجلس الحكم الانتقالي" وضم حينها 25 عضواً تم اختيارهم من الحاكم المدني، بول بريمر، آنذاك وفقاً للطائفة والقومية، ومن خلالهم مررت جملة قوانين وتشريعات ضمن برنامج بريمر.
هذا المصطلح الدخيل لم يعرفه العراقيون ولم يسمعوا به إلا بعد سقوط بغداد، جرى تضمينه في الدستور الذي كُتب عام 2005 تحت بند عُرف باسم "المناطق المتنازع عليها". لم يُعرّف الدستور تلك المناطق وطبيعتها وتاريخها، بل يكفي أن تطالب محافظة ما بضم منطقة أخرى في محافظة مجاورة، لتصبح متنازعاً عليها، أو أن تأتي بحجج تشير إلى أن هذه البلدة كانت قبل مائة أو حتى ألف سنة تابعة لها وتم أخذها منها وضمها إلى جارتها، أو أن تضم تلك المنطقة سكاناً من طائفة معينة أو قومية معينة لتقوم المحافظة المجاورة بادعاء أحقيتها لها ووجوب ضمها إليها، وهو ما حدث في أكثر من مدينة شملها هذا القانون منذ إقراره بالمادة 140 في الدستور العراقي الحديث.

حملات تغيير ديموغرافي
يستند القانون إلى أن الأنظمة المتعاقبة على حكم العراق، منذ العهد الملكي مطلع القرن الماضي، ولغاية نظام الرئيس الراحل صدام حسين، شنّت حملات تغيير ديموغرافي، على أسس قومية وطائفية، واستحدثت محافظات ودمجت أخرى واقتطعت من أخرى ومنحتها للثانية، ويجب الآن بحسب حكومات وبرلمان ما بعد الاحتلال الأميركي، إعادة الأمور إلى ما كانت عليه.

ووفقاً للقانون فإن أهالي المناطق المشمولة به، عليهم المشاركة في استفتاء شعبي يوضح مدى رغبتهم في البقاء على وضعهم الحالي أو الانتقال إلى وضع جديد. إلا أن أي استفتاء لم يُنفذ، حتى الآن، لأسباب مختلفة، أبرزها أن قوى سياسية مستفيدة من هذا التأجيل لاستمرار حملات تهجير وطرد سكان تلك المناطق وإحلال آخرين مكانهم.
ومن أبرز المناطق التي شملها القانون 140، هي محافظة كركوك التي تضم نحو مليوني نسمة وبخليط متنوع من العرب والأكراد والتركمان والآشوريين، فضلاً عن ديانات إسلامية ومسيحية وصابئية وأيزيدية وكاكائية وغيرها، وهي تمتلك احتياطات نفطية هائلة وتعتبرها كردستان جزءاً من الإقليم وتصفها بقدس الأكراد، بينما ترفض بغداد ذلك، وهي تتعرض لعمليات تغيير ديموغرافي مستمرة منذ سنوات.
وشمل القانون في كركوك، عاصمة المحافظة مدينة كركوك فضلاً عن مدينتي الدبس وداقوق ومنطقة تازة. كما شمل مدناً أخرى في محافظة نينوى وعاصمتها الموصل، ومن أبرز تلك المدن الشيخان، والحمدانية، وتلكيف، وسنجار، ومنطقة زمار والقحطانية، ويسكن تلك المناطق خليط سكاني من المسيحيين العرب والمسلمين العرب والأيزديين الأكراد والأيزيديين العرب ومجموعات صغيرة مثل الشبك.
وفي محافظة ديالى وُضعت مدن عدة تحت هذا القانون، هي خانقين، ومندلي، وكفري، وكلار. وفي محافظة واسط تم إدخال مدينة بدرة تحت القانون ويسكنها خليط عربي كردي من الطائفة الشيعية، ثم محافظة صلاح الدين ومدينة طوزخورماتو.
وتبلغ مجمل المساحة التي تطالب بها كردستان من بغداد لضمها إلى الإقليم أكثر من 10 آلاف كيلومتر مربع، وهي مدن غالبيتها تاريخها عربي وتراثها عربي، إلا أن الأحداث التي شهدها الشمال العراقي على مدى قرون متمثلة بالحروب والمعارك مع الأنظمة أو تلك التي جرت في إيران وسورية وتركيا، دفعت الأكراد إلى البحث عن مناطق خارج جبال كردستان للاستقرار فيها وفقاً لباحثين بالشأن العراقي.
كما تُعتبر مدن سامراء والتاجي واللطيفية والمدائن وأبو غريب والنخيب وخان بني سعد، من المدن التي أضيفت أخيراً، إلى القانون بدوافع طائفية، وبدعم من المليشيات المسلحة والأحزاب الموالية لإيران. فيما تم إدراج نحو 20 منطقة تقع في محافظات الجنوب في القانون لدوافع اقتصادية بحتة وأخرى قبلية، مثل مشكلة حدود محافظتي ذي قار والمثنى، ومشكلة تبعية منطقة الهويشلي التي تضم حقولاً نفطية بين منطقة الدراجي في المثنى ومحافظة ذي قار، فضلاً عن قضاء طويريج بين بابل والنجف، ومدن أخرى.


تركة تنذر بحروب

مع إقرار المادة 140 في الدستور الذي بدأت كتابته بعد الاحتلال بعام واحد وتم الانتهاء منه خلال ستة أشهر من لجنة شُكّلت بمباركة أميركية، فإن كل الجهات التي سعت لتنفيذ هذه المادة هي نفسها التي أشرفت على كتابة الدستور ووافقت على تمريرها في البرلمان ثم عرضها في استفتاء شارك فيه أقل من 50 في المائة من العراقيين، في وقت كانت فيه المحافظات السنّية غائبة بسبب سيطرة تنظيم "القاعدة" بقيادة أبو مصعب الزرقاوي على عدد منها وتعذر إجراء استفتاء فيها.
وحتى منتصف العام الماضي، كان المسؤولون الأكراد يصرون على البدء بتنفيذ تلك المادة، إلا أن تلك المطالبات سرعان ما اختفت بعد سيطرة الأكراد فعلياً على أغلب المناطق التي يطالبون بها وطرد العرب منها بالقوة أو من خلال جرائم تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) التي دفعتهم إلى مغادرتها. في المقابل فإن كربلاء وبابل سيطرت على بلدات ومناطق من محافظات مجاورة كالأنبار، التي لم تكن فيها سلطة ولا حكم بسبب سقوطها في يد تنظيم "داعش".
ويتوقع خبراء ومراقبون للشأن العراقي أن يؤدي زوال "داعش" إلى فتح هذا الملف، الذي قد يتسبّب بصراعات وحروب داخلية، خصوصاً أن أكثر من نصف تلك المناطق غنية بالنفط والغاز والمعادن. وقال الخبير في الشأن العراقي طالب حماد العبيدي، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن "مرحلة ما بعد داعش لن تكون مرحلة ربيع أبداً، فهناك مصائب بانتظار العراقيين". وأشار إلى "المناطق التي استولى عليها الأكراد قومياً، وتلك التي استولت عليها حكومات محافظات أخرى طائفياً بغفلة، وهذه الأطراف استغلت وجود داعش لتمرير تلك المخططات التي كانت مجمدة أو بحكم الموقوفة".
من جهته، قال الكاتب السياسي الكردي عطا القرداغي: "يجب أن نعترف بحقيقة أن ظهور داعش ومع تسببه بخسائر بشرية كبيرة في صفوف الأكراد، بمقتل الآلاف وتدمير كثير من المناطق إضافة إلى الخسائر الاقتصادية وحالة الخوف التي تسبب بها للسكان في إقليم كردستان، لكنه وفّر الفرصة لقوات البشمركة لاستعادة القسم الأكبر من كردستان المحتلة من قبل السلطات العراقية الخاضعة للدكتاتورية الشيعية". وأضاف الكاتب في تحليل نشره في وسائل إعلام محلية في كردستان العراق: "إنها المرة الأولى على مدى عمر الدولة العراقية الحديثة الممتدة لـ95 عاماً، يتمكن الكرد فيها من استعادة السيطرة على مناطقهم الجغرافية المحتلة بواسطة نضال وتضحيات البشمركة". وتابع: "لم يوقّع إقليم كردستان اتفاقاً مع المسؤولين العراقيين، نقصد ممثلي الشيعة والسنّة حول الوضع المستقبلي، وهذه نقطة سلبية خطرة تُعد قنبلة مؤقتة".
فيما أكد المتحدث باسم الحكومة العراقية سعد الحديثي، في تصريحات صحافية لوسائل إعلام محلية عراقية، أن "إنهاء ملف المادة 140 خلال وقت قصير يبدو أمراً صعباً بسبب تواجد الجماعات المسلحة في تلك المناطق"، مضيفاً أن "المنهاج الذي تشكّلت على أساسه الحكومة الحالية يقضي بحسم المادة 140 على أن ذلك يكون خاضعاً للنصوص الدستورية والتوافقات السياسية".

وتعليقاً على هذا الموضوع، قال القيادي في جبهة "الحراك الشعبي" محمد عبد الله، إن "داعش قدّم مدناً ومناطق على طبق من ذهب لجهات لا تريد وحدة العراق وبقاءه صامداً بلا تقسيم". وأضاف في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "انتهاء المعركة ضد داعش لن تكون نهاية معاناة العراقيين، فيجب أن نتحمّل تركة الاحتلال ومنها المناطق المتنازع عليها، وبما أن التغيير الديموغرافي يجري في تلك المناطق فإن الأمور لا تبشر بخير".
من جهته، قال فؤاد حسين، رئيس ديوان رئاسة إقليم كردستان وكبير مستشاري رئيس الإقليم، مسعود البرزاني، عن مستقبل المناطق المتنازع عليها، إن إجراء استفتاء حول رأي السكان بشأن مستقبل مناطقهم هو الحل الذي جاء في الدستور والذي يطالب به الإقليم. وأضاف في تصريح صحافي، أن قوات البشمركة ستدافع عن المناطق التي دخلتها كما فعلت في السابق بدفاعها عن كركوك وسنجار.
أما أستاذ تاريخ العراق المعاصر في جامعة بغداد، مازن عبد السميع العزاوي، فقال في حديث لـ"العربي الجديد"، إن أول من أثار مصطلح "المناطق المتنازع عليها" هو مستشار بول بريمر، ديفيد اوري، "الذي عمل في مكتب بريمر في المنطقة الخضراء، وتهافت زعماء الأحزاب الدينية والكردية على مكتبه سراً وعلانية حين تم البدء بكتابة الدستور".
واعتبر أن "هذا المصطلح دخيل ومعيب بحق العراق العربي الحاضن الرئيسي للديانات، إذ كان العراقي ينتقل للعيش في أي مدينة يريدها متى ما شاء ومتى أراد، بينما اليوم باتت الإقامة في دولة أجنبية أفضل من ترويج معاملة نقل سكن مواطن عراقي في العراق" وفقاً لقوله، واصفاً قانون المناطق المتنازع عليها إنه "الإسفين الصهيوني في الجسد العراقي".