المشفى السوري كفعل درامي يفضح جريمة النظام

22 نوفمبر 2019
الصورة
فياض: من حلب إلى الغوطة الشرقية (الملف الصحافي للفيلم)
+ الخط -
في مقابل استخدام الخراب السوري في أفلامٍ، يحتاج مخرجوها إليه كديكور سينمائي، يحضر المشفى السوري كحيّز طبّي، وكفضاء إنساني وأخلاقي، وكأداة سلميّة تواجه تنانين القتل الأسديّ وحلفائه، في أفلامٍ توثِّق يوميات عاملين فيه لإنقاذ جرحى، يتعرّضون لأنواع شتّى من القصف والتدمير والقتل والتنكيل، وتؤرخ لحظات صعبة، تعكس وحشية قاتل يريد إلغاء بلد وشعب وتاريخ وحضارة، لحماية مصالح مُشغّليه من الاندثار، وتُقدِّم ـ في الوقت نفسه ـ صُورا سينمائية عن مقاومة مدنيّة لطغيان وعنف عسكريّين.

وفي مقابل الاستعانة بخراب سوريّ "ليكون إطارا سينمائيا طبيعيا" لأحداثٍ مختلفة، وبعضها غير معنيّ بالحرب السورية وآثارها، يذهب سينمائيون سوريون إلى المشفى للتأكيد على "جمالية" أناسٍ يواجهون الموت كلّ لحظة، بهدف إنقاذ أناسٍ يريدون الحياة كلّ لحظة. وإذْ يستعين البعض بخراب سوري لأفلامه، إنْ ترتبط مواضيعها وحكاياتها بالحرب الأسديّة أو لا، فإنّ سينمائيين سوريين يُنجزون أفلاما لهم بتمويل النظام نفسه، وبغطائه ودعمه، مستخدمين الخراب السوري، الذي يصنعه النظام ومن معه، بغية تمييع حقائق وتغييب وقائع تخالف خطاب السلطة، للقول إنّ "الآخرين" جميعهم مذنبون بحقّ البلد وناسه، بينما النظام "بريء" من أفعاله التدميرية والدموية.

يخفت النقاش حول استخدام الخراب السوري كديكور سينمائي، بعد شيوعه بحدّة وعصبيّة كثيرتين، وبمنطق وسجال واعٍ قليلين، إثر الاستعانة السينمائية بالخراب السوري (في القُصير والزبداني تحديدا) في فيلمي "جدار الصوت" (2019) للّبناني أحمد غصين و"الحبل السري" (2019) للسوري الليث حجّو، رغم أنْ الأول معنيّ بـ"حرب تموز" (2006) الإسرائيلية ضد لبنان واللبنانيين و"حزب الله"، بينما الثاني مهموم بحدثٍ إنساني سوري (امرأة تُنجِب جنينها على يديّ زوجها في سيارتهما، لصعوبة وصول "الداية" إليهما، بسبب قنّاص يحوّل حياة الباقين في بلدتهم المدمَّرة إلى جحيم يومي)، في بلدة سورية، لن تظهر فيها أدنى إشارة إلى انتماء سياسي أو عسكري أو جهاديّ أو إرهابيّ.

لنقاشٍ كهذا أن يستعيد حيويته، مع إطلاق العروض التجارية للفيلمين، وربما لأفلامٍ أخرى تُصوَّر في بلدات سورية مدمَّرة على أيدي جنود النظام ومقاتلي "حزب الله"، وبإذنٍ من جنود النظام، ومن "حزب الله" أيضا، المُشارك في المَقْتلة الأسديّة في سورية. لكن، في المقابل، هناك اشتغال، وإنْ يكن متواضعا لغاية الآن، على المشفى السوريّ، المتحوِّل، مع كاميرا وثائقية سورية، إلى مرايا تكشف مسائل وانفعالات لن تبقى أسيرة الوظيفة المباشرة للمشفى ولعاملين فيه، يُقرّرون البقاء رغم الموت الذي يُحاصِر المدينة والمشفى معا، وناس المدينة والمشفى أيضا، إذْ تنفتح على ذاتٍ وانفعال وتأمّلات ومواقف وعلاقات، يعيشها عاملون في المشفى، الذي يشهد فصولها وتفاصيلها في آن واحد.

يلتقي فيلما "مجانين حلب" (2019) للينا سنجاب ("العربي الجديد"، 28 يونيو/ حزيران 2019) و"من أجل سما" (2019) لوعد الخطيب وإدوارد واتّس في آخر مشافي حلب، بينما يذهب فراس فيّاض إلى مشفى يُعرف باسم "الكهف" (عنوان الفيلم، 2019) في الغوطة الشرقية. المكانان/ المشفيان مُتشابهان في سردهما حكاية الموت السوري، الذي يُقارع تنانين القتل والتغييب من أجل حياة وحقّ؛ ومتشابهان في توغّل الكاميرا الوثائقية في ممرّاتهما وغرفهما، كما في دهاليز روحٍ وآلام نفسٍ وتعب جسدٍ؛ ومتشابهان في انغماس حسّي ومعنوي، لطبيبات وأطباء وممرضات وممرضين وعاملات وعاملين في المشفيين، في ما هو أبعد من جرح الجسد. فالجرح ينفتح على خراب روح ووهن عزيمة وثقل موت، لكنه يجتهد لصنع أملٍ بحياة أو نجاة، ويُتيح لفرحٍ أنْ يتسلّل، ولو قليلا، إلى تلك الغرف والممرات، فتغتسل الأرواح بما هو أهمّ من المياه، أحيانا.

لينا سنجاب ترافق الطبيب حمزة الخطيب، الذي تُنجز زوجته وعد الخطيب فيلمها الوثائقيّ "من أجل سما" في الفضاء نفسه. الحكايات المروية على لسان حمزة تعثر، في كاميرا سنجاب، على أداة سينمائية لتوثيق وقائع يومية، يقولها بلغة واضحة، وإنْ تمتلئ أحيانا بارتباك وقلق وغصّة وإرهاق. للدكتورة أماني "يوميات"، تُلهم فراس فياض ـ مخرج "آخر الرجال في حلب" عام 2017، عن رجال الدفاع المدني السوري، المعروفين أيضا باسم "الخوذ البيضاء" (ترشيح رسمي لـ"أوسكار" أفضل فيلم وثائقي طويل، في النسخة الـ90، عام 2018) ـ فيُنجز "الكهف"، مستخدما لحظات سينمائية تُضفي جمالا على الشقاء والقهر والعنف، خصوصا تلك المُصوَّرة خارج المشفى، رغم القصف والدمار.

لكلّ فيلم شخصية أساسية، تروي فظائع الواقع، وتنغمس في عنف اليومي، لكنها تمتلك حيّزا خاصّا بها لعيش ما يُفترض بكلّ فرد أن يعيشه: حمزة الخطيب مع زوجته وابنهما ("مجانين حلب"، تحديدا)، وأماني مع زميلات وصديقات (الكهف). الخروج من المشفى نادر، باستثناء الخروج الكامل منه ومن المدينة ("مجانين حلب" و"من أجل سما")، بينما الخروج من "الكهف"، وإنْ يكن قليلا، يُتيح لأماني تنفّسا هادئا وسط ركام وعتمة واضطرابات، قبل الخروج النهائي أيضا.

وثائقيات كهذه غير مكتفية بتسجيل وقائع، فالسينما حاضرة، رغم غليان العيش والاجتهاد من أجل النجاة. وإذْ يُنتظر بدء العروض العامة لـ"مجانين حلب"، فإنّ "من أجل سما" و"الكهف" يُشاركان في الدورة الـ32 لـ"مهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية"، التي تُقام بين 20 نوفمبر/ تشرين الثاني و1 ديسمبر/ كانون الأول 2019)، بعد مشاركات مختلفة في مهرجانات عديدة.

لكن الأهمّ كامنٌ في أنّ أفلاما كهذه، إلى جانب ردّها (غير المباشر) على الاستعانة المشبوهة بالخراب السوري في أفلامٍ سورية وغير سورية، تمتلك حيوية اشتغالٍ سينمائي، يحتاج إلى قراءات نقدية إضافية.

المساهمون