المسجد والكنيسة وجدار المكسيك

10 يناير 2019
الصورة
خلافات هذا الجدار أغلقت الحكومة الأميركية جزئياً (Getty)
+ الخط -

مع كتابة هذه السطور، تكمل الحكومة الأميركية يومها الثامن عشر وهي مغلقة، على خلفية رفض الحزب الديمقراطي، الذي يسيطر حالياً على مجلس النواب الأميركي، توفير التمويل الذي يطلبه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لبناء الجدار العازل على الحدود مع المكسيك والبالغ 5 مليارات دولار، لمنع الهجرة غير الشرعية الواردة إلى الولايات المتحدة عبر حدودها الجنوبية.

ومع استمرار إغلاق الحكومة، أُجبر ما يقرب من أربعمائة ألف موظف في الحكومة على الحصول على إجازة غير مدفوعة الأجر، بينما تأخر حصول ما يقرب من أربعمائة ألف آخرين على رواتبهم، وبدأ هؤلاء يشعرون بالتوتر لعدم قدرتهم على تسديد الفواتير التي ترد إليهم، كما أقساط قروض العقارات التي تستحق على أغلبهم.

وبالتأكيد لم يقتصر الأثر السلبي لإغلاق الحكومة الأميركية على هؤلاء، وإنما امتد ليشمل العديد من النواحي في الولايات المتحدة، بعد إغلاق 9 من أصل 15 وزارة، بالإضافة إلى العشرات من الوكالات الأميركية، حيث مُنع مئات العلماء التابعين للحكومة من حضور ثلاثة من أهم المؤتمرات العلمية المختصة بالعلوم التكنولوجية وأبحاث الفضاء والتغير المناخي، واصطدم زائرو المتاحف والحدائق العامة بإغلاقها.

ولم يتمكن دافعو الضرائب من الحصول على مستحقاتهم، بعد أن أعلنت مصلحة الضرائب تحصيلها لمستحقات الدولة، مع تأجيل رد المدفوعات الزائدة لحين إشعار آخر، كما أغلقت حديقة الحيوان الرئيسة في العاصمة واشنطن أبوابها، وتراكمت القمامة وأغلقت أغلب دورات المياه العامة أبوابها، بينما لم تعد البقية المفتوحة صالحة للاستخدام الآدمي.

ومن ناحية أخرى، أغلقت محاكم الهجرة أبوابها، وهو ما يعني تأجيل السماع في عشرات القضايا التي تم تحديد موعد لها قبل شهور، وربما سنوات، إلى أجلٍ غير مسمى، وهو ما يضيف إلى قائمة الانتظار الطويلة التي بلغت 800 ألف طلب قبل سريان إغلاق الحكومة في الثاني والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول الماضي.

وعلى نحوٍ متصل، لم يسمح إغلاق الحكومة باستخدام خاصية الكشف الآلي عن شخصية المهاجرين E-Verify التي تستخدمها الولايات المتحدة في التعرف على تاريخ المهاجرين وسيرتهم الذاتية وسجلات التأمين الاجتماعي الخاصة بهم.

ومع استمرار العناد بين الطرفين، هدد الرئيس الأميركي بإعلان حالة الطوارئ الوطنية، أو استخدام أوامره التنفيذية، لتوفير التمويل المطلوب لبناء جداره، إلا أنه اصطدم بأن هذين الخيارين ليسا متاحين بلا قيود، إذ يتعين إثبات وجود تهديد للأمن القومي الأميركي، بالإضافة إلى أشياء أخرى من هذا القبيل، قبل السماح باستخدام أي منهما.

وعلى الجانب الآخر من الكوكب، نجد بلداً يجاهد من أجل تخفيض عجز الموازنة العامة لديه لأقل من 10%، وتسجل ديونه، المحلية والخارجية، مستويات قياسية شهراً بعد شهر طوال الخمسين شهراً الأخيرة أو أكثر، ويتعذر توفير مخصصات الإنفاق الاجتماعي الخاص بتعويض المواطنين عما يقاسونه من ارتفاعات متتالية في الأسعار، بفعل برنامج إصلاح اقتصادي قاسٍ، يسير بخطى واثقة نحو إلغاء كامل لدعم المياه والكهرباء والوقود والغذاء.

وتختفي تماماً ميزانية الاستثمار في التعليم والصحة والبحث العلمي رغم وجود النصوص الدستورية، ومع ذلك يتجه أصحاب القرار في هذا البلد إلى إنشاء كل ما هو أطول وأكبر وأعلى... إلخ، بينما يؤكد رأس السلطة في هذا البلد تعارض تنفيذ تلك المشروعات مع ما خلصت إليه دراسات الجدوى الخاصة بها!

قبل يومين، زفت إلينا وسائل الإعلام المصرية بشرى افتتاح أكبر كاتدرائية للمسيحيين الأرثوذكس في الشرق الأوسط، وكذلك أكبر مسجد في مصر ورابع أكبر مسجد في العالم، وذلك في العاصمة الإدارية الجديدة بالقرب من العاصمة القاهرة، ليكتمل الغموض الذي يحيط بمصادر تمويل إنشاء العاصمة الإدارية بما فيها من إنشاءات، بعد تأكيد المسؤولين، في أكثر من مناسبة، على عدم تحمل ميزانية الدولة جنيهاً واحداً من مصروفاتها.

ولكي تكتمل فصول المسرحية الهزلية، يعلن رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وهي الجهة المسؤولة عن المشروع وفقاً لتوجيهات رئيس الجمهورية، أن شركات المقاولات التي أسند إليها تصميم وإنشاء المسجد بالعاصمة الإدارية لم تتلق إلا ربع أموالها، وذلك لأنه لا توجد اعتمادات حكومية، حيث بُنِيَ المسجد، وعلى الأرجح الكاتدرائية أيضاً، بالتبرعات.

وأكد رئيس الهيئة أنه سيتم عمل حملة تبرعات (لاحظ أن هذا الكلام يصدر بعد افتتاح المسجد والكاتدرائية) لسداد الأموال المتبقية لتلك الشركات، موضحاً أن هناك أكثر من 10 شركات شاركت في التنفيذ، إلا أنه لم يوضح ماذا سيحدث في حالة عدم نجاح حملة التبرعات في جمع المبلغ المطلوب سداده لتلك الشركات.

الفارق واضح بين الصورتين، فالصورة الأولى تنقل لنا مشاركة نواب الشعب المنتخبين غرب المحيط الأطلنطي في صناعة القرار وتوجيه التمويل الحكومي في الناحية التي تفيد دافع الضرائب هناك، بينما توضح الصورة الثانية كيفية اتخاذ القرار الفردي، بعيداً عن أية استشارات، كما عن نتائج دراسات الجدوى، التي ترفض توجيه الموارد لمشروعات لا تدر عائدا ولا تغطي تكلفتها إلا نادراً.

وتتوالى الأخبار الواردة من العاصمة الإدارية، مؤكدة انتهاء مفاوضات امتدت لعامين مع شركات صينية، كانت ترغب في التواجد بالعاصمة الإدارية، بالفشل.

أيضاً أعلنت الحكومة المصرية مؤخراً انسحاب شركة أو شركات إماراتية من المشروع، الأمر الذي يثير الشكوك حول توفر الاستثمارات المطلوبة لمشروعات العاصمة الإدارية الجديدة، بعد تأكيد المسؤولين المصريين في أكثر من مناسبة على عدم تحمل ميزانية الدولة لتكلفة المشروعات هناك.

الله أكبر، والله محبة، لكن ليس كذلك تدار الأمم، ولا تُصلح اقتصادات الدول. والشعوب ليست دجاجا في الحظيرة، يأكل ما يقدم إليه، ولا يتساءل عن أسباب نقص ما يتاح له من غذاء، ونواب الشعب المنتخبون مهمتهم الأساسية هي مساءلة الحكومة في مثل تلك الأمور.

أما وأنهم يتعاملون مع الحكومة والشعب الذي انتخبهم بمنطق تلك أمة قد خلت، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، ولا تسألون عما كانوا يعملون، فهذا يعد خيانة واضحة للأمانة التي يحملونها، وللشعب الذي وثق فيهم وانتخبهم.

دلالات