اللبنانيون يذبحون بقراتهم المقدّسة

29 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
العيش في بلد ما ردحاً من الوقت، والتفاعل مع ناسه في مكان العمل والسكن والشارع، يتيحان للمرء القادم من مجتمع آخر فهم ذلك الشعب على نحو أفضل مما تتيحه له قراءة صحفه، ويمكّنانه من قراءة فسيفساء بيئته الاجتماعية الجديدة بصورةٍ أعمق من مجرّد متابعة إعلامه، ويتيحان له الوقوف، عن كثب، على شؤونه وشجونه، ومن ثمّ التعرّف على قيمه ومثله وأمزجة رجاله ونسائه، وربما امتلاك مفاتيح شخصيات عوالمه المؤقتة، لا سيما إذا كان لدى الوافد حسّ اجتماعي مرهف، وكانت لديه رغبة في التعلّم والاندماج مع محيطه الجديد.
وكلما طالت مدة المكوث في هذا البلد أو ذاك، بغرض الإقامة الطويلة نسبياً، وليس السياحة أو الاستشفاء مثلاً، تمكّن المرء من مقاربة الصورة بشكل أشمل، وتكوّنت لديه انطباعات أدق، وبات أقدر على جلاء ذهنية الزملاء السابقين والجيران القدامى، حيال ما يطرح عليهم من تحدّيات، وما يدلّهم عليهم من خطوب، وربما يستطيع المرء استشراف انفعالات القوم وتعاطيهم مع المتغيرات التي تخاطب خصوصياتهم، والتنبؤ بكيفية تفاعلهم مع القضايا المطروحة عليهم.
في مسار حياتي الشخصية والمهنية، تنقّلتُ وأقمتُ (لعله من حُسن الحظ) في عدد من البلدان العربية التي أحتفظ لكل واحد منها بمودة خاصة، حيث راكمت في كل بلد بعينه خبراتٍ متواضعةً وتجارب متنوعة، لا سيما في لبنان الجميل حقاً، البلد الذي قضيت فيه نحو عقد، تعلّمت وعملت فيه وأنجبت، وتكوّنت اجتماعياً ونضالياً وثقافياً، واقتبست من تنوّعات فضائه الرائق عدة المعرفة البحثية وفن الصحافة المهنية، الأمر الذي يسمح لي بالزعم أنني أدرى عما أتحدث عنه، أي عن الشخصية اللبنانية، في هذه اللحظة الفاصلة بين زمنين مختلفين في بلاد الأرز.
بهذه الخلفية المعرفية، يمكن القول إن الأكثرية الكاثرة من اللبنانيين قد فاجأوا أنفسهم قبل أن يدهشوا الغير، بهذه الاستفاقة الوطنية الشاملة من غيبوبةٍ طالت كثيراً، وبدت كأنها بلا نهاية، وذلك عندما حقّقوا ما يشبه المعجزة، وصنعوا، على غير توقعاتٍ مسبقةٍ، فجراً جديداً، ثورة شعبية سلمية ناصعة البياض، وغير مسبوقة في تاريخ المنطقة، أتت عابرةً للطوائف والمذاهب والمناطق، كمنتج صُنع في لبنان، وهو ما يبعث على الافتخار من جانب أصحابه، ويستحق التنويه والإشادة من الذين روّعهم سفك الدماء وخراب البيوت خلال الثورات العربية المغدورة.
وكما لكل شعب، أو مجموعة إثنية، رؤساء وقادة ومرجعيات تاريخية، للبنانيين بالطبع رجالٌ يتزعمون يومياتهم السياسية، ويتولّون تمثيلهم والدفاع عن مصالحهم المختلفة، إلا أن الأمر الفارق هنا هو أن هؤلاء هم زعماء الطوائف والأحزاب والمليشيات، والإقطاعيات العائلية في الوقت ذاته، يتوارثون المكانة والقيادة والنفوذ والجاه، من الجد إلى الابن إلى الحفيد، الأمر الذي أضفى على هؤلاء نوعاً من القداسة، وحوّلهم إلى ما يشبه الأصنام المعبودة، وأسميهم "البقرات المقدّسة"، المحمية بنظام طائفي غير مكتوب، تحوّل بدوره إلى بقرة مقدّسة، تحاكي الأبقار الهندية المدللة.
وهكذا مع انطلاق هذه الثورة الشعبية التي انخرطت فيها النخب اللبنانية والعامة معاً، على أرضية المواطنة، وليس على أساس برزخ الطائفة، فقد كانت أولى البقرات التي شرع الثوار في ذبحها، مجازاً، هي تلك البقرة الذهبية الكبيرة، البالغ عمرها سبعين عاماً وأكثر، فيما سيقت إلى المسلخ مجموعة أخرى من الأبقار المتشابهة، وتم تعليقها من عرقوبها، كل على حدة، وفق ما تقضي به أرقي التقاليد الجنتلمانية، ونعني بهؤلاء زعماء الطوائف وأمراء الحرب ومن لفّ لفهم من الفاسدين، حيث جرى لمّهم جميعاً في سلة واحدة، عبّر عنها، بكياسة وإيجاز شديدين، شعار الثوار الجامع المانع "كلن يعني كلن".
وأياً كان المآل الأخير لهذه الثورة التي تشبه الشعب اللبناني تماماً، ومهما كانت تطوّراتها المفتوحة على كل الاحتمالات، فقد حقّقت ثورة ملايين الشباب والشابات السلمية إحدى أهم النتائج غير القابلة للامحاء، وأسّست لعصر جديد في حياة لبنان والمنطقة، وهو فتح أعرض الأبواب أمام مرحلة أخرى واعدة من ثورة الربيع العربي، المتواصلة بأشكال إبداعية متنوّعة، متلائمة مع خصائص كل بلد بمفرده، ومستفيدة من دروس وعبر الثورات السابقة لها، لا سيما الثورات التي تم إجهاضها.
45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي