الكتاب في مواجهة غير متكافئة مع الحذاء

24 مايو 2018
الصورة
(الجزائر العاصمة، تصوير: فاروق بطيش)

اختفت العديد من محلات بيع الكتب في الجزائر بصورة ملفتة وخطرة خلال السنوات الأخيرة، فعلى طول شوارع العاصمة لم يعد عدد المكتبات يتجاوز العشر. لا أحد بإمكانه أن يعطي تفسيراً واضحاً للظاهرة، والأدهى من كل هذا أن بعض هذه المحلات التي كانت فضاءات للكتب والمعرفة تحولت إلى محلات لبيع الأحذية!

مع أواخر ثمانينيات القرن الماضي، عمدت الدولة الجزائرية إلى رفع الدعم الذي كانت تقدّمه للكتاب، وحلّت معظم المؤسسات الاقتصادية التابعة للقطاع العام في إطار تحرير السوق، ومنها "الشركة الوطنية للنشر والتوزيع" التي كانت تحمل على عاتقها كل ما يتعلق بمجال الكتاب. هكذا تحوّلت نقاط بيع تلك الشركة إلى ملكيات خاصة مع اشتراط عدم تغيير النشاط، والمحافظة على المحلات كواجهات خاصة بالكتب.

سمح هذا الحل للعديد من المستثمرين بالدخول إلى مجال الكتاب، سواء عن طريق استيراده أو صناعته، وأصبحت محلات الكتب تعج بعناوين مختلفة في شتى مجالات المعرفة، كما كان أكثر من انتعش الكتاب الديني، خصوصاً في بداية التسعينيات إلى غاية اندلاع الأزمة الأمنية، وقد ذهب خبراء مكافحة الإرهاب في الجزائر لاحقاً إلى أن سوق الكتاب كانت مساهمة في تذكية العنف والتطرّف خصوصاً أن رواجها زاد من طمع بائعي الكتب في مردودية عالية لتجارتهم.

وأمام الغياب شبه التام لمؤسسات الدولة حتى مستوى الرقابة، بدأت واجهات المكتبات الخاصة في بعض أحياء العاصمة أو ما كان يعرف بالمناطق الساخنة تتحوّل إلى ما يشبه المزارات القديمة، حيث أصبحت تبيع إلى جانب هذه الكتب، أشياء أخرى لا تمت بصلة إلى الثقافة كالمسك، والعباءات، والسواك، والحجاب، والأشرطة الدينية، وفي بعض منها تمارس الرقية الشرعية وفك السحر.

وزاد من غبن الكتاب في الجزائر أن أحزابا سياسية استحوذت على بعض المكتبات محوّلة إياها إلى مقار لها، خصوصاً حين تكون لها مكانة خاصة من حيث الموقع أو المردودية التجارية.

ولم تنفع النداءات المحتشمة التي وجّهت لجهات رسمية في الدولة بهذا الصدد والمنبهة لخطورة ما يعانيه قطاع الكتاب وتوابعه، ولم يكن المجال يسمح بالإنصات والتجاوب مع هذه المبادرات على قلتها، فقد كانت الدولة مشغولة بما عرف بـ"الحرب ضد الإرهاب".

وفي مقابل هذه الدوامة الكبيرة التي زوبعت قطاع الكتاب برمته، كان بعض المشتغلين في نفس القطاع يتبعون استراتيجية مختلفة، حيث كان همّهم الأساسي الحفاظ على قدر كبير من المسؤولية في التعامل مع الكتاب صناعة واستيراداً وتسويقاً، والأهم من كل هذا وقفوا في تحدٍّ للباحثين عن السهل المريح في تقديم الكتاب، فعرضوا الكتاب المعرفي، والرواية، والمجموعات الشعرية، وكتب الفلسفة والتاريخ والنقد وغيرها.

كان الرهان صعباً في ظل عوامل غير ملائمة على الإطلاق، فقد تزايدت ظاهرة عزوف القراء وإحدى أسبابها كانت غلاء أسعار الكتب، كما تفشّى شعور بعدم جدوى الكتاب مقابل صعود وسائط معرفية أخرى أبرزها التلفزيون.

ومن جهة أخرى، بدأت تظهر سوق زاحفة بسلع قادمة من الصين تحديداً، وهذه السوق أغرت بضائعها كثيرين لترويجها، فأصبح كل من يملك محلاً تجارياً لا يتوانى في تحويله إلى بازار للسلع الجديدة. انعكس ذلك على قطاع الكتاب، فقد أوقع هذا المناخ الجديد أصحاب المكتبات بين فكي رحى: إما مواصلة التحدي، أو بيع هذه المحلات أو كرائها لزبون قادر على دفع مبالغ خيالية لا يمكن لتجارة الكتب أن تحققها لهم.

على هذا الوضع المعقد، أفاق المتداخلون في صناعة وتجارة الكتاب، وبات واقعهم أقرب إلى الحيرة والعجز على إيجاد أفضل الطرق للحفاظ على مكانة الكتاب في منظومة اقتصادية مفتوحة في الجزائر على كل بضاعة في ما عدا الكتاب، ولم يعد الأمر يهم أي أحد حتى أن العديد من أصحاب المكتبات باعوا محلاتهم لأسباب تختلف من مكتبيّ إلى آخر، ولكنها تصب جميعاً في خانة واحدة هي "أن تجارة الكتاب في الجزائر هي تجارة بائرة، فالكتاب لم يعد يستهو أحد، وكل ما نبيعه من كتب مرتبط بشكل أساسي بمناسبات خاصة كالدخول المدرسي أو الجامعي، أما عن الكتب الأخرى فحدث ولا حرج، فروّاد الأدب والفلسفة والشعر والرواية وغيرها من الفنون أو التخصّصات الأخرى يكاد وجودهم ينعدم"، كما تقول لـ "العربي الجديد" صاحبة "مكتبة كلمات" (السيدة فتيحة) في الجزائر العاصمة.

وعندما سألناها عن الأسباب التي دفعتها لأن تبقى وفيّة لتجارتها، أجابت: "كنت أحد مسيّري مكتبة ابن خلدون، حاولت مع زملاء في المهنة أن نعطي للكتاب أهميته في مسار الثقافة الجزائرية بشكل عام، ورغم صعوبة المهمة خاصة في ظل الأزمة الأمنية التي عرفتها الجزائر إلا أننا نجحنا في بعض النقاط مثل خلق تقليد البيع بالتوقيع مع كاتب جزائري، وقد نجحت العملية بفضل الترويج الإعلامي لها، وبدأ هذا التقليد يأخذ مكانه في مكتبات أخرى، وهكذا خرج الكاتب الجزائري قليلاً من قوقعته ونزل إلى قراءه يتحاور معهم ويناقشونه في تفاصيل عمله".

تؤمن محدّثتنا بضرورة مواصلة مشوار المحافظة على مهنة بيع الكتاب وتشير إلى تخوّفها أن تتحول المكتبة إلى محل لبيع الأحذية على غرار "مكتبة الثقافة العامة".

بين الإصرار الذي نلمسه لدى بعض أصحاب المكتبات في الإمساك بالكتاب بالأسنان مثلما يقال في متداول الحديث الجزائري، وبين الاستسلام المخيف لدى آخرين، نتبيّن دائماً حالة من غياب الدولة.

ورغم الوعود الكثيرة والجلسات المكثفة التي عقدتها الجهات المشرفة على الثقافة مع كافة المعنيين للخروج بحل ينقذ الكتاب من "وعكته الصحية"، ورغم الجهود الفردية التي يقوم بها بعض الناشرين نذكر منها ما قامت به مؤخراً "منشورات القصبة" من شراء وإعادة تأهيل "مكتبة العالم الثالث" بعد أن كادت أن تتحول هي أيضاً إلى محل لبيع الأحذية، إلا أن الوضع لا يزال محكوماً بكثير من التدهور والتقهقر خاصة مع اشتداد الأزمة المالية التي تخنق البلاد، وربما إن لم تتدخل الدولة عاجلاً فإننا قد نشهد مستقبلاً عاصمة خالية من المكتبات.