تحدي إعادة تأهيل الأجهزة الأمنية العراقية: محاولات الكاظمي محفوفة بالمخاطر

06 اغسطس 2020
الصورة
الكاظمي يوجه بمراجعة ملفات الانتهاكات التي تورطت بها قوات أمنية (Getty)

فتح التسريب المصور أخيراً لتعذيب فتى عراقي وسط بغداد من قبل قوات الأمن على خلفية مشاركته في التظاهرات ملف إعادة تأهيل الأجهزة الأمنية العراقية، والتي تُتهم بارتكاب انتهاكات كثيرة منذ سنوات تمتد مع عمر تأسيسها بعد عام 2003.

و أثار  التسريب المصور أخيراً لتعذيب فتى عراقي موجة غضب واسعة في العراق استدعت الحكومة إلى الإعلان عن طرد عناصر الأمن المتسببين بالانتهاك من الخدمة وإحالتهم للقضاء. 

ومع تفاعل القضية، أقدم الكاظمي على مراجعة ملفات الانتهاكات التي تورطت بها القوات الأمنية، ما دفعه إلى اتخاذ خطوات أولية نحو إعادة تأهيل المؤسسة الأمنية في العراق، والتي تشكلت بظروف استثنائية وينتمي الكثير من عناصرها لأحزاب ومليشيات وقوى سياسية.

ووفقاً لمسؤول حكومي رفيع، فإن "الكاظمي وجه بتشكيل لجان خاصة، لإعادة تقييم أداء الأجهزة الأمنية ومهنيتها، ومتابعة ارتباطات عناصرها وانتماءاتهم الحزبية"، مبيناً لـ"العربي الجديد"، أن "تلك اللجان ستقوم بإعداد دراسة مفصلة تتناول كافة صنوف الأجهزة الأمنية، ومن ثم جرد الانتماءات، وإحصاء الانتهاكات الفردية وغير الفردية، وملفات التحقيق إزاءها إن وجدت".

وأكد أن "الكاظمي يريد من خلال الدراسة إعادة تأهيل المؤسسة الأمنية، وتنظيم دورات وورش عمل خاصة، تعرّف عناصر الأمن بمسؤولياتهم المهنية والأخلاقية تجاه المواطنين، مقابل وضع عقوبات شديدة للانتهاكات التي ترتكب".

وخلال زيارة أجراها الكاظمي أمس الأربعاء، إلى وزارة الداخلية، أكد أن "الحكومة عازمة على إجراء الإصلاح الشامل في جميع القطاعات، وأن المؤسسة الأمنية ضمن المؤسسات المشمولة بالإصلاح من أجل زيادة كفاءتها ومهنيتها"، مشدداً على أن "الإصلاح يبدأ أولاً من الجيش والشرطة، إذ أن الفرصة متاحة للعمل وتصحيح الأخطاء من أجل زيادة قدرتها على تأدية مهامها الأمنية بكفاءة عالية".

وعبّر الكاظمي عن رفضه، لأي "ضغوطات سياسية وحزبية واجتماعية تمارس على المؤسسة الأمنية، وأن واجب الأجهزة الأمنية هو توفير الحماية لجميع العراقيين من دون التدخل في عملها"، مؤكداً أنه "يتحتم على الأجهزة الأمنية الالتزام بالمتطلبات الأساسية للعمل الأمني والمتمثلة باحترام مبادئ حقوق الإنسان وبناء جسور الثقة مع المواطن، وفق سياقات القانون وأطر العدالة".

من جهته، أكد المتحدث باسم، رئيس الحكومة، اللواء يحيى رسول، أن "الكاظمي أكد على إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، من خلال إقامة دورات تثقيفية، في مجال حقوق الإنسان، وفق متابعة مباشرة من قبله ومن قبل وزير الداخلية".

وأشار، في تصريح صحافي، إلى أن "الأسباب التي تستدعي إعادة الهيكلة معروفة، فدماء المتظاهرين الذين سقطوا ببنادق الصيد لم تجف بعد، وحادثة الاعتداء على الطفل، مازالت تتفاعل بشكل واسع".

خطوة الكاظمي حازت على تأييد من قبل سياسيين أكدوا أهميتها، كخطوة أولى لإصلاح مؤسسة تحتاج إلى إصلاح فعلي بعد سنوات من التراكمات والهيمنة الحزبية عليها، لكنّهم أشاروا، بذات الوقت، إلى أن صعوبات كبيرة ستعترض طريق إعادة التأهيل.

ورأى عضو لجنة الأمن في البرلمان السابق، حامد المطلك، أن "الأجهزة الأمنية لها دور كبير ومهم في حفظ أمن وهيبة البلاد، وتحتاج إلى دعم وإعادة تأهيل بذات الوقت"، مبيناً لـ"العربي الجديد"، أن "خطوة الكاظمي جيدة، وضرورية سيما مع وجود الانتهاكات في تلك الأجهزة، لكنّها ستواجه بعقبات كبيرة جداً من قبل الأحزاب والمليشيات، التي تغلغلت طوال السنوات السابقة داخل مفاصل الأجهزة الأمنية وبنت نفوذاً خاصاً بها".

وأكد "أنا مع إعادة التأهيل وإن كان على خطوات ومراحل، أي أن الكاظمي إذا استطاع أن يخطو خطوات بسيطة بهذا الاتجاه فسيكون لأي خطوة أهمية كبيرة بترميم المؤسسة الأمنية"، مشيراً إلى أن "الحكومات والأحزاب عملت على عشوائية تلك الأجهزة من خلال مسمياتها الكثيرة، من جيش وشرطة اتحادية، وقوات مكافحة الإرهاب، وقوات حفظ النظام وغيرها الكثير".

وأوضح أن "تلك العشوائية وكثرة المسميات كانت متعمدة، لأجل إضاعة القرار، وأن تلك العشوائية تعد من المصاعب الكبيرة التي ستواجه الكاظمي في خطواته".

ولا يستبعد مختصون بالشأن الأمني، أن تواجه خطوات الكاظمي بأساليب قد تصل حتى إلى إثارة العنف، من قبل الجهات الرافضة لإعادة التأهيل.

وقال المختص بالشأن الأمني، جلال الفضلي، إن "التأهيل الحقيقي يستدعي خطوات كبيرة تمس نفوذ الأحزاب والمليشيات في المؤسسة العسكرية"، مبيناً لـ"العربي الجديد" أن "تلك الجهات ستقاوم أي خطوات للتأهيل الحقيقي، بكل ما تمتلك من قوة، حتى إذا تطلب الأمر إثارة أعمال عنف وشغب لإشغال الحكومة بها".

وأكد أن "تلك الجهات لن تفرّط بنفوذها بسهولة، ما سيفرض تحدياً كبيراً يواجهه الكاظمي، في أي خطوة قد يقدم عليها بهذا الاتجاه"، مشيراً إلى أن "تلك الجهات لن تتنصل عن نفوذها بالمؤسسة الأمنية، إلا في حال أجبرت الكاظمي على أن تكون خطواته التأهيلية شكلية فقط".

وتُعد المؤسسة الأمنية في العراق، من أكثر المؤسسات تعقيداً، إذ أنها شُكلت بعد حل الجيش العراقي بقرار من الحاكم المدني الأميركي بول بريمر الذي حكم العراق بعد عام 2003، ليتم بعد ذلك تشكّيل جيش جديد، أعقب ذلك تشكيل تفرعات كثيرة لمؤسسات أمنية منها الفرقة الذهبية، وقوات التدخل السريع، وقوات مكافحة الإرهاب، والشرطة الاتحادية، والشرطة المحلية، وقوات الحدود، وقوات حفظ النظام، وغيرها من المسميات التي شتت جهد المنظومة الأمنية وقرارها. 

 وقد بُنيت الأجهزة الأمنية جميعها على أسس غير مهنية، ما تسبب بانتهاكات كثيرة رافقت عمر تلك المؤسسات، فضلاً عن نكسة الجيش بمواجهة تنظيم "داعش" الإرهابي الذي اجتاح عدداً من المحافظات في صيف العام 2014.