الفلسطينيون يواجهون كورونا بالإغلاق الجزئي

03 يوليو 2020
الصورة
يودع أحد أقربائه الذي توفي بكورونا من خلف السياج (حازم بيدر/ فرانس برس)

على الرغم من ارتفاع أعداد وفيات مرضى كورونا إلى أكثر من عشرة، خصوصاً خلال الفترة الأخيرة، إضافة إلى القفزة الكبيرة في أعداد المصابين بالفيروس في الضفة الغربية خلال الأسبوعين الأخيرين، لم تفرض الحكومة الفلسطينية برئاسة محمد اشتية الإغلاق الشامل كما فعلت فور إعلان حالة الطوارئ بداية مارس/ آذار الماضي، والذي استمر نحو شهرين بشكل شبه متواصل.

واتّبعت الحكومة الفلسطينية سياسة "الإغلاق الجزئي"، أي نفذت إغلاقا محدودا زمنياً وجغرافياً للمناطق التي تظهر فيها إصابات، بهدف رسم الخريطة الوبائية وتحديد مخالطي المصابين، وإخضاعهم للفحوصات. وفور إتمام هذه الخطوة، يرفع الإغلاق وتعود الحياة إلى طبيعتها.
خطوة يرى فيها مراقبون محاولات للحكومة للتملّص من مسؤوليتها، ورمي الكرة في ملعب المواطن المغلوب على أمره، في الوقت الذي لم تستطع الحكومة توفير البدائل لحياة كريمة.

آلية العمل 

ويركّز المسؤولون الفلسطينيون في الحكومة ولجان الطوارئ وخلايا الأزمات على ضرورة تطبيق المواطنين للتعليمات، أبرزها ارتداء الكمامة والقفازات والتباعد الجسدي وعدم التواجد في الأماكن المكتظة، بالتزامن مع الإعلان عن فرض عقوبات على المخالفين لإجراءات السلامة، من خلال إغلاق المحلات وتغريم المخالفين وغير ذلك.

ويرى المراقبون أنّ الشارع الفلسطيني منقسم حيال الجدية في التعامل مع تلك القرارات، وسط قناعة تسود الغالبية بعدم جدوى الإجراءات الحكومية، وفشلها في الحد من انتشار الفيروس. ويعزون تردّد الحكومة في حجر المواطنين في منازلهم إلى الوضع الاقتصادي الصعب، في ظل عدم صرف رواتب الموظفين للشهر الثاني على التوالي، وارتفاع مؤشرات الفقر والبطالة إلى مستويات غير مسبوقة.

وقال رئيس الحكومة محمد اشتية، خلال جلسة الحكومة الإثنين الماضي، إن الإجراءات تتراجع مع تراجع الحالات. "والآن تتم العودة إلى بعض الإجراءات مثل منع التجمهر وبيوت العزاء وغيرها بسبب تزايد الحالات". يضيف: "حاولنا إيجاد توازن بين الحالة الصحية والوضع الاقتصادي، وأقول لكم إننا نسيطر على الخريطة الوبائية. لكن هناك خطورة في أن ينتقل المرض من حالات فردية مسيطر عليها إلى حالات مجتمعية".
وفور ظهور حالات مصابة، يعلن المحافظون عن إغلاق المنطقة السكنية التي تتواجد بها لحصر المخالطين، كما جرى في كافة المحافظات في الضفة الغربية.

ويقضي الأمر بإغلاق المؤسسات الرسمية والأهلية، وإيقاف كل الفعاليات باستثناء تلك الصحية، ومنع التجمعات كالأعراس وحفلات التخرج وبيوت العزاء. وقد يترتب على ذلك أيضاً منع الحركة داخل المنطقة المغلقة، مع نشر الحواجز الأمنية وعناصر الشرطة، واستنفار لجان الطوارئ.

وأغلق محافظ بيت لحم كامل حميد، مدينة بيت لحم في 26 الشهر الماضي لمدة 48 ساعة، وأعلن تمديدها الثلاثاء الماضي بسبب ظهور حالات جديدة.

نهاية الأسبوع الماضي، أغلق محافظا نابلس والخليل المدينتين، ثم جدد الإغلاق في الخليل. وعندما ظهرت الإصابات في القرى والبلدات والمخيمات التابعة لهما، طبق الأمر نفسه. كما أغلق محافظ طوباس المدينة وبلدة طمون الملاصقة لها، بعد ظهور إصابتين فيهما.
الإغلاق شمل المنشآت أيضاً، وقررت الحكومة نهاية الأسبوع الماضي إغلاق كافة صالات الأفراح، ومنعت تجمع أكثر من 50 شخص في الأماكن المغلقة. خطوة لاقت رفضاً ليس فقط من المقبلين على الزواج، بل أيضاً من قبل أصحاب القاعات والمهن المرتبطة بموسم الأعراس مثل استديوهات التصوير ومعارض بيع بدلات الزفاف وغيرها، فجميعها تضررت من القرار.

الاقتصاد أولاً

يقول الخبير الاقتصادي شادي حامد لـ "العربي الجديد" إن الحكومة الفلسطينية وصلت على ما يبدو إلى نتيجة مفادها بأن الإغلاق الشامل وإجبار الناس على البقاء في منازلهم لفترة زمنية طويلة ليس مجدياً، فقد أدت تلك الخطوة سابقاً إلى فقدان عشرات الآلاف مصادر دخلهم، وباتوا في حاجة إلى تأمين طعامهم وأبسط احتياجاتهم اليومية. ولم تفلح كل التدخلات الحكومية من الوزارات المعنية في سد هذه الثغرة. يتابع: "منذ ستين يوماً، لم يتلق الموظفون الحكوميون رواتبهم. بالتالي، فهم لا يملكون المال لتدبر أمور عائلاتهم في حال الإغلاق، فالتواجد في البيوت مكلف، إذ يزداد الإقبال على الطعام والشراب".

ويرى حامد أن المعوق لاتخاذ خطوة الإغلاق الواسع هو العامل الاقتصادي أولاً، وهذا لا يعني ترك الوباء يتفشى. لذلك، فالقرارات التي أصدرتها الحكومة منحت كل محافظ الصلاحيات باتخاذ ما يراه مناسباً من خطوات لمواجهة كورونا، بحسب ظروف منطقته وعدد الإصابات ومكانها. يتابع: "الحكومة تريد إخلاء مسؤوليتها، وقد رمت الكرة في ملعب المواطنين، وكأنها تريد أن تقول: فعلنا ما نستطيع، والباقي يقع على عاتقكم أيها المواطنون، لقد تركنا لكم الفرصة للعمل والتحرك، وعليكم الالتزام بالتعليمات والإجراءات الوقائية".

انقسام

تعكس آراء المواطنين الفلسطينيين حول خطوات الإغلاق الجزئي تبايناً وانقساماً. ويقول المواطن رياض شبيري من مدينة نابلس لـ "العربي الجديد": "علينا حماية أنفسنا بأنفسنا. على الجميع أن يضعوا كمامات إذ إن الاستهتار هو الذي سيجعل المرض ينتشر. وحينها، لن يكون هناك حل إلا بالعودة إلى المنازل ولفترات طويلة". أما نادرة ياسين، فتقول لـ "العربي الجديد" إن قرار الإغلاق الشامل ليس بالحل الناجع. تضيف: "الأمور خرجت عن نطاق السيطرة. والأعداد أكبر من المعلن عنها، ولم يتم اكتشاف الكثير من الحالات بعد. هناك فشل حكومي في ضبط عمال الداخل وعمال المستوطنات". وتسأل: "هل نجلس في بيوتنا كلما عاد العاملون من الداخل؟ هذا ليس حلاً. ظروف الناس الاقتصادية صعبة جداً، ونحن مع تشديد الإجراءات ومراقبة المخالفين وضبطهم، وإتاحة المجال للآخرين للبحث عن رزقهم والتكسب".