خطة الضمّ... فلسطينيون متخوفون من العزل والتهجير

رام الله
جهاد بركات
02 يوليو 2020
+ الخط -

في ساحة أحد المنازل في قرية كردلة في الأغوار الشمالية في الضفة الغربية، يجلس عدد من النساء يتحدثن عن وجود جيش الاحتلال الإسرائيلي على مدخل القرية، لكنّ القلوب تترقب ما تنتظره القرية التي تقع شمالي شرق طوباس، إذ ورد اسمها ضمن القرى الفلسطينية في خطة الضم الإسرائيلية (ضم نحو 30 في المائة من مساحة الضفة الغربية المحتلة للسيادة الإسرائيلية).
بالنسبة لسماهر صوافطة التي تحمل طفلتها، فإنّ أكثر ما تخشاه تدهور قطاعي الصحة والتعليم، فالمستشفى الأقرب هو في مدينة طوباس، وعدد من معلمي مدرسة القرية من خارجها. تقول لـ"العربي الجديد": "منذ تحدثوا عن ضم الأغوار شعرنا كأنّنا سندخل إلى سجن. هذا هو الواقع الذي سيفرض علينا، والذي يهدد مستقبلي ومستقبل ابنتي. كيف سيصل المعلمون إلى القرية؟ ماذا سيحصل لأطفالنا؟". تعقب جارة لها، أنّها لا تعرف كيف سيذهب أبناؤها إلى الجامعات في نابلس وطوباس؟

 

تلك المخاوف تسلط الضوء على نقطة هامة يرى الأهالي أنّها سترافق ضمّ أيّ قرية فلسطينية، وهي زيادة عدد الحواجز والبوابات، وحصار تلك القرى، بل حتى كما تقول النسوة قد يعرقل وصول الأهالي إلى حقولهم الزراعية ويؤثر في الزراعة؛ مصدر رزقهم الرئيسي في كردلة التي يبلغ عدد سكانها حوالي 200 نسمة بحسب جهاز الإحصاء المركزي.
الأثر السلبي على الزراعة تخوف مشترك لسكان قرى الأغوار الفلسطينية، علماً أنّ الأغوار معروفة بكونها "سلة غذاء فلسطين". في الجفتلك، التي تقع وسط الأغوار إلى الشمال من مدينة أريحا، لا يعلم إياد دراغمة الذي تحدث إلى "العربي الجديد" كيف سيكون موسمه الزراعي المقبل، فهو ينهي الموسم الحالي بقطاف الملوخية، وتتوقف الزراعة في معظمها صيفاً بسبب شدة الحر، ويعود في شهر سبتمبر/ أيلول، لكنّه لا يعلم مستقبل كلّ ذلك في ظلّ مخططات الاحتلال حول الضمّ. يقول دراغمة: "في الأصل، أنا من طوباس، ولدت هنا في الجفتلك عام 1977، وأبي عاش هنا قبلي، أعمل في الزراعة، واعتمادنا الأساس على الزراعة، أتوقع صعوبات خلال الموسم الزراعي المقبل، ولا نستبعد وضع الحواجز التي ستمنع التنقل من دون تصاريح، وبالتأكيد لن يمنح الاحتلال تلك التصاريح للجميع، فهو في الأساس يسعى إلى تهجير السكان بمحاربة لقمة العيش، ونحن كمزارعين إن لم نزرع، لن نتمكن من الاستمرار". في الجفتلك قرابة 3200 نسمة، ويقول دراغمة: "معظمهم يعتمدون على الزراعة وبعضهم على تربية المواشي، ويعانون من شحّ المياه، وعدم منح الاحتلال تراخيص بناء لهم". لكنّ دراغمة يتوقع الصعوبة الأكبر بسبب إجراءات الضمّ الإسرائيلية المقبلة؛ وتحديداً صعوبة التنقل والمواصلات وتسويق المنتج الزراعي، وإدخال المواد الزراعية المطلوبة.

 


تلك المخاوف تأتي بالرغم من إشاعات ظهرت تشير إلى إمكانية حصول سكان القرى والتجمعات التي سيشملها الضمّ؛ على بطاقات هوية إسرائيلية، وقد يمنح السكان حرية الحركة إلى الأراضي المحتلة عام 1948، أو فرص عمل إضافية، لكنّه سيناريو يردّ عليه الخبير بشؤون الاستيطان صلاح الخواجا في حديثه إلى "العربي الجديد" أنّ هناك محاولة تضليل للمجتمع المحلي "بإظهار أنّ عمليات الضمّ ستشمل السكان، بينما الحقيقة تشير إلى أنّ دوائر جيش الاحتلال قدمت مشروعاً بتقسيم الضفة الغربية إلى 176 كانتوناً ومعزلاً، فعلى سبيل المثال منطقة غرب رام الله أي قرى نعلين وقبيا وشقبا وبدرس والمدية وغيرها، ستكون جزءاً من تجمع له مخرج واحد، من المتوقع أن يكون نفقاً في منطقة شبتين يربط هذا التجمع بالقرى الأخرى".
يضيف الخواجا أنّ ما سيحصل هو عملية تشريع للضمّ بقرار إداري من حكومة الاحتلال لضمّ الأراضي فارغة من دون سكان، وفي المقابل حبس الفلسطينيين في كانتونات ومعازل قد تعقّد حتى التواصل داخل القرية الواحدة كما هي حال نعلين، غربي رام الله التي يفصلها شارع يسميه الاحتلال 446 إلى قسمين. في نعلين، يروي ثائر عميرة لـ"العربي الجديد"، وهو معلم مدرسي في رام الله، ما حصل مؤخراً مع عدد من أبناء بلدته خصوصاً من فئة العمال، إذ استدعت استخبارات الاحتلال عدداً منهم لتغليف الخطوات الإسرائيلية بإغراء سترافقها تسهيلات وتصاريح عمل.
يعلق عميرة بالقول: "الاحتلال يريد الأرض ولا يريد السكان، نسمع أنّهم يبحثون في الخرائط عن الطريق الآمن الذي سيجمع كلّ القرى المجاورة في طريق واحد كمخرج، وهذا الأمر سيؤدي إلى هجرة طوعية، فأنا موظف في رام الله، وعليّ أن أصل إلى هناك يومياً قبل الساعة الثامنة صباحاً، لكن بعد عزل المنطقة بمخرج واحد سيكون هذا الطريق مزدحماَ، وسيكون هناك طابور مركبات طويل، وسأفكر في السكن في رام الله أو بيتونيا، غربي رام الله من أجل رزقي، والموظفون سيلجؤون لاستئجار منازل خارج القرية بسبب هذا الوضع".
مخاوف عميرة تزداد هذه المرة حول الأراضي في المنطقة الجنوبية لبلدة نعلين، حتى إن لم يصادر الاحتلال تلك الأراضي فلأهالي نعلين تجربة مريرة بعد إقامة جدار الفصل العنصري، إذ إنّ الاحتلال لا يسمح لهم بالدخول إلى الأراضي التي يملكونها وتقع خلف الجدار، إلاّ مرة أو مرتين في العام من أجل الحراث والقطاف، ويتخوف عميرة من تكرار المشهد في ظل هدف الاحتلال الأساسي من الضم وهو السيطرة على الأراضي. يشير كذلك إلى تخوف للشباب المقبلين على الزواج من تحول التراخيص حتى في المناطق المصنفة (أ) و(ب) في بلدة نعلين إلى ما يسمى بالإدارة المدنية بدلاً من بلدية نعلين التابعة لوزارة الحكم المحلي الفلسطينية، وهو تخوف ينبع من ندرة إصدار الاحتلال تراخيص البناء للمنازل الفلسطينية في المناطق المصنفة (ج) وفق اتفاقية أوسلو.
أما عن الأحوال الاجتماعية، فيشير عميرة إلى أنّ بلدة نعلين البالغ عدد سكانها نحو 5400 نسمة، من المتوقع أن تفصل إلى جزئين، وهو ما يعني ألاّ يتمكن من هم في داخل البلدة من زيارة أقاربهم في حي المهلل الأقرب إلى قرية دير قديس فيما يصعب ردّ الزيارة، مشيراً إلى نموذج قرية بيت إكسا، شمالي غرب القدس التي تعاني من بوابة للاحتلال تمنع دخول أيّ شخص من خارج القرية من دون تنسيق مسبق.
حين تواصلت "العربي الجديد" مع رئيس بلدية بيت إكسا، سعادة الخطيب؛ كان يقف عند الحاجز العسكري أو البوابة العسكرية، وهي المدخل الوحيد للبلدة البالغ عدد سكانها وفق الإحصاءات الرسمية قرابة 1900 نسمة، وكان الخطيب هناك من أجل إدخال ضيوف إلى زفاف في البلدة. فقبل أكثر من عشر سنوات بدأ تضييق الخناق على بلدة بيت إكسا كما يقول الخطيب، وبعد اتفاق بين الارتباط الفلسطيني والإسرائيلي؛ لا يدخل من لا يسكن بلدة بيت إكسا إلاّ بعد تعرف رئيس المجلس البلدي عليه، أو أحد أربعة أشخاص من أعضاء المجلس: "أيّ شخص يدخل إلى البلدة بموافقتنا، مجبر على أن يخرج منها قبل الساعة العاشرة ليلاً" بحسب الخطيب.
تبعد بيت إكسا عن القدس قرابة 7 كيلومترات، ويتذرع الاحتلال كما يشير الخطيب، بحجج أمنية، ويقول: "يدّعون أنّ ذلك هو لمنع العمال من الدخول إلى القدس، وهذه كذبة، فقبل أيام، دخلوا للتأكد من العمال حتى داخل البلدة والتدقيق أين يعملون". ويتوقع الخطيب مزيداً من التضييق على بلدة بيت إكسا في حال تنفيذ خطة الضم، فالبلدة أصلاً تعاني حالياً من الوضع الحالي، خصوصاً في الجانب الاقتصادي، والأمر يصل أحياناً لمنع أيّ شخص من الدخول للبلدة كما حصل لفترة بعد قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس وقف التنسيق الأمني مؤخراً.
المخاوف من الضمّ تمتد إلى سكان التجمعات البدوية في مناطق متفرقة من الضفة الغربية، خصوصاً الواقعة شرقي القدس المحتلة، فتجمع جبل البابا في بلدة العيزرية شرق القدس، تقطنه 66 عائلة بدوية، كانت هجرت في خمسينيات القرن الماضي، من تل عراد في النقب المحتل. ويقع جبل البابا في قلب المنطقة التي يريد الاحتلال ضمّها إلى بلديته في القدس، لتنفيذ مشاريع بلدية القدس الكبرى و"إي 1" اللذين سيربطان مستوطنات مثل معاليه أدوميم وصولاً إلى البحر الميت بالقدس، على حساب عشرات التجمعات البدوية. ويشير ممثل تجمع جبل البابا عطا الله مزارعة لـ"العربي الجديد" إلى أنّ محاولة التهجير للتجمع بدأت منذ سنوات، فكلّ المساكن والمنشآت أخطرت بالهدم. لكنّ مزارعة يتخوف من تهديد جديد هو ما يسمى بـ"الشارع الأميركي" ضمن خطة الضم، الذي سيعزل جبل البابا عن منفذها الوحيد بلدة العيزرية المجاورة. ويقول مزارعة: "جبل البابا محاط بجدار من جميع الجهات، ولا منفذ له إلاّ العيزرية... هذا الشارع سيفصلنا عن كلّ الخدمات، وممنوع إقامة عيادة صحية أو مدرسة هنا. وهكذا سيتأثر الجميع سلباً، خصوصاً الأطفال والنساء، وسيحرم التلاميذ من حقهم في التعليم. وفي النهاية سنصل إلى التهجير القسري، إذ سيتفرّد الاحتلال بنا".

 

يصف خبير شؤون الاستيطان صلاح الخواجا الواقع المقبل؛ بأنّ المخططات المعلنة ستقسم الضفة الغربية إلى 176 كانتوناً ومعزلاً، ويكرر حقيقة تبدو له واضحة، بأنّ الضم سيشمل المناطق المصنفة (ج) وفق اتفاقية أوسلو، لكنّها أراضٍ فارغة بلا سكان "وهذا ما أكد عليه نتنياهو من أنّه لا يريد كتلاً سكانية فلسطينية، بل التخلص من الكتل الفلسطينية". ويورد الخواجا أمثلة عن المعازل بالقول: "هناك 8 حواجز عسكرية في الأغوار إذا جرى تفعيلها سيتم منع التواصل بين قرى الأغوار، وكتلة قرى غرب رام الله ستعزل، و8 قرى في القدس مهددة بعزلها بالكامل عن امتدادها بالبلدة القديمة". وفي المقابل، يتمسك الأهالي بالبقاء في قراهم وأراضيهم فكما يقول المزارع إياد دراغمة: "ليس أمامنا إلاّ حلّ واحد، هو أن نبقى في أرضنا ونفلحها ونزرعها، حتى لو اقتصر الأمر على لقمة عيشنا فقط. لن نترك الأراضي مهما كانت الظروف".

ذات صلة

الصورة

سياسة

أصيب عشرات الفلسطينيين، اليوم الجمعة، بجروح بالرصاص المعدني المغلف بالمطاط وبالاختناق بالغاز المسيل للدموع، خلال قمع قوات الاحتلال الإسرائيلي فعاليات ومسيرات ضد إقامة المستوطنين بؤراً استيطانية في عدة محافظات من الضفة الغربية.
الصورة
ذوو الإعاقة المعتصمون في المجلس التشريعي يحتفلون بميلاد زميلتهم

مجتمع

عوضاً عن احتفالها بعيد ميلادها في منزلها وبين أفراد عائلتها، أتمت الشابة الفلسطينية شذى أبو سرور، من مدينة بيت لحم جنوبي الضفة الغربية، عامها الخامس والثلاثين، في الوقت الذي تواصل اعتصامها مع أربعة زملاء آخرين في داخل مقر المجلس التشريعي الفلسطيني.
الصورة
سياسة/مسيرة احتجاجية ضد الاستيطان في سلفيت/(العربي الجديد)

سياسة

أصيب 36 فلسطينياً بالرصاص المعدني المغلف بالمطاط، والعشرات بحالات اختناق خلال قمع قوات الاحتلال لمسيرة مناهضة لإقامة بؤرة استيطانية على أراضي مدينة سلفيت شمالي الضفة الغربية المحتلة.
الصورة
وقفة ضد تعنيف فلسطينيات الداخل (العربي الجديد)

مجتمع

طالب محتجون أمام محكمة في حيفا، بتغيير لائحة الاتهام وتشديد العقوبة على طليق السيدة سماهر خطيب التي تعرضت للدهس و9 طعنات من قبل طليقها في شهر يونيو/حزيران الماضي، بعد أن قررت النيابة العامة اتهام الرجل بالإيذاء الجسدي الجسيم بدلًا من الشروع في القتل.

المساهمون