العرب وأميركا اللاتينية... التكامل الإقليمي

09 نوفمبر 2015
الصورة

من اجتماعات القمة العربية الأميركية اللاتينية في برازيليا (مايو/2005/أ.ف.ب)

+ الخط -
تنعقد، الأسبوع الجاري في الرياض، القمة العربية-اللاتينية في دورتها الرابعة، بمشاركة 12 دولة من أميركا الجنوبية والدول العربية، وتبحث سُبُل التعاون بين العرب والأميركيين الجنوبيين على أكثر من صعيد، وهي مناسبة للحديث عن جوانب التعاون والتكامل في تجربة دول أميركا اللاتينية، والخروج من أسر التبعية للولايات المتحدة، والتي يمكن أن تكون نموذجاً يُحتذى به بالنسبة للعرب الذين لم يحققوا، حتى الآن، أي نجاح يستحق الذكر، في التكامل بين دولهم، وربما يكون المجال الأمني استثناءً.
في الثمانينات، أسهمت المشكلات المالية وتراكم الديون، في اتجاه دول من أميركا اللاتينية إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي اللذين فرضا (مقراهما في باريس وواشنطن) على هذه الدول حزمة من الإجراءات الاقتصادية في مقابل القروض. كانت هذه الحزمة تعبيراً عمّا عُرف لاحقاً باسم "توافق واشنطن"، وهي مجموعة من الإجراءات والسياسات الاقتصادية، لمعالجة الأزمات الناتجة عن عجز ميزانية الدول، تُمَثِّل النموذج الاقتصادي النيوليبرالي، نظّر لها الاقتصادي الأميركي، جون ويليامسون. وتتمثل أبرز نقاطه في الخصخصة من خلال بيع الشركات المملوكة للدولة، وتحرير التجارة الخارجية، وتحرير الاستثمار الأجنبي بإلغاء القيود التي قد تُفرض على المستثمرين الأجانب، وتفكيك القيود الإدارية في تحديد الأسعار، أو توجيه شركات القطاع العام، ما يعني السماح لقوى السوق بتولي الأمور.
رَمَت وصفة "توافق واشنطن" إلى السيطرة على التضخم، والحد من العجز المالي، عبر تحرير رأس المال، وتحرير الأسواق، وحاولت الولايات المتحدة دعم هذا التوجه في أميركا الجنوبية، مع دعم الديكتاتوريات في عدد من دولها، وإيجاد مظلات إقليمية للتعاون الاقتصادي على النسق النيوليبرالي. وهكذا نشأت السوق المشتركة الجنوبية "ميركوسور" عام 1991، وأرادت الولايات المتحدة ربط اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا) بدول أميركا الجنوبية، وإنشاء منطقة التجارة الحرة للأميركتين (فتا)، لكن التوقيع على اتفاقية إنشاء هذه المنطقة الذي كان مقرراً عام 2005، لم يتم، نظراً للتغييرات السياسية في دول في المنطقة، والتي قلبت المعادلة في وجه الولايات المتحدة.
أدى صعود أحزاب اليسار ويسار الوسط، وانهيار ديكتاتوريات حليفة للولايات المتحدة، والمُثَبِّتَة لهيمنتها على أميركا الجنوبية، إلى تغييرٍ كبير، طاول النهج الاقتصادي لعدد من الدول، للخلاص من التوزيع غير المتكافئ، والإفقار، وانهيار الخدمات العامة، التي تسببت بها السياسات النيوليبرالية، وسعت القوى الصاعدة إلى تقديم نموذج جديد يخلف النموذج النيوليبرالي، يقوم على التعاون والتكامل، وليس التنافس، ويحقق تنمية مستقلة ذاتياً خارج فلك الولايات المتحدة. وهكذا، انطلقت ثلاثة مشاريع رئيسة، يعبر أحدها عن القوى الراديكالية المناهضة للإمبريالية والرأسمالية، بقيادة فنزويلا، وآخر يعبر عن المواجهة "المعتدلة" للنيوليبرالية بقيادة البرازيل، وثالثٌ يجمع أهم الدول تحت سقفه، ويعزّز التعاون السياسي والأمني.

التحالف البوليفاري للشعوب الأميركية (ألبا) هو التكتل الذي اقترحته فنزويلا بديلاً من منطقة التجارة الحرة للأميركتين، ويقوم على التعاون والتكامل الاقتصادي بين دول القارة، وقد انضمت لفنزويلا عدة دول، منها كوبا والإكوادور وبوليفيا. يشجع تكتل (ألبا)، كما تشير الباحثة نجلاء مكاوي، على إقامة مشاريع صناعية وزراعية وطنية، بحيث تبقى الأرباح في البلاد، ويعاد استثمارها في التنمية المحلية، بدلاً من ذهابها إلى الشركات متعددة الجنسية، أو البنوك والمؤسسات الرأسمالية الغربية. وقد أنشأ التكتل "بنك ألبا" ليكون بديلاً من صندوق النقد الدولي، وطرح مشروع عملة إقليمية موحدة هي "سوكر"، وطبقت دول التكتل نظام العملة الموحدة في تجارتها البينية المباشرة، وهي تحرص على توسيع استخدامها، للتخلص من التبعية للدولار الأميركي، وصندوق النقد الدولي.
قادت البرازيل تغييراً للسوق المشتركة الجنوبية (ميركوسور) لتتحول من منظمة تتبنى توافق واشنطن إلى منظمة تطرح بدائل للهيمنة الأميركية على المنطقة. تتكون "ميركوسور" حالياً من خمسة أعضاء دائمين، هم البرازيل والأرجنتين والأوروغواي وفنزويلا (وباراغواي التي تم تعليق عضويتها عام 2012 بعد عزل المجلس التشريعي رئيسها)، بالإضافة إلى الأعضاء المنتسبين الذين يتمتعون بحق الحصول على تخفيضات جمركية، من دون الحصول على امتيازات العضوية الكاملة، مثل تشيلي وكولومبيا والإكوادور. منذ عام 2002، حين بدأت عملية تغيير بُنية "ميركوسور" وأهدافها، وإلى عام 2009، نمت التجارة الداخلية بين دولها بمعدل 17.76% سنوياً، وزادت التجارة الخارجية بمعدل 14.61%.
أما اتحاد دول أميركا الجنوبية (أوناسور) فقد نشأ كياناً إقليمياً جامعاً، يوجد صيغة وحدة إقليمية بعيدة عن هيمنة واشنطن، ويضم 12 دولة وقعت المعاهدة التأسيسية للاتحاد عام 2008، ومن أهم ما نتج عنه "مجلس دفاع أميركا الجنوبية" الذي يهدف إلى تسوية النزاعات بين دول الاتحاد، وإيجاد تكامل أمني، من دون قيادة أو إشراف أميركيين.
لم ينجح الاتحاد في التكامل الاقتصادي بشكل كبير، لاختلاف دوله اقتصادياً، لكنه نجح في أمور أخرى، وهو درس للعرب في إمكانية إيجاد توافقات تسمح بتكامل عربي، كما أن التكتلات اللاتينية الأخرى (ميركوسور وألبا) تعطي نماذج لإمكانية تقليص التبعية وتعزيز التكامل الاقتصادي. لكن، لابد من الاعتراف أن هذا الحديث ترفٌ في واقع العرب الحالي، إذ تحتاج دولهم للخلاص أولاً من نكباتها، ولملمة شتاتها، قبل التفكير في التكامل فيما بينها.