العربية وفروعها: لهجات أم لغات؟

01 أكتوبر 2016
الصورة
(حروفية لـ إل سيد في جنوب أفريقيا)
+ الخط -
لم يتوصّل باحثو اللغة واللسانيون، بعد، إلى تحديد مصدر اللغة العربية بدقّة. يظن الكثير أن القبائل التي كانت تقطن شبه الجزيرة العربية، في ذلك الوقت، كانت تتحدّث لغة عربية فصحى موحّدة، أو أنها كانت تُستعمل حتى بين أفراد القبيلة الواحدة.

غير أن مُعظم النظريات اللغوية ترجّح أن ظاهرة تنوّع اللغة وانقسامها إلى لهجات هو شيء طبيعي يحدث عندما تتّسع رقعة الأراضي التابعة للمتّحدثين بتلك اللغة. على الأغلب، كان هذا حال اللغة العربية قبل مجيء الإسلام أيضاً؛ حيث تفرّقت القبائل العربية (العدنانية والقحطانية) في شمال وجنوب شبه الجزيرة العربية، ما أدّى، بالضرورة، إلى تنوّع لهجاتها، كما هو حال العربية اليوم.

يرى أغلب الدارسين أن كل قبائل العرب كانت تشترك في لغة واحدة (الفصحى القديمة)؛ لغة الشعر الجاهلي والمحافل الرسمية والمعاملات التجارية، ولغة قبيلة قريش التي حازت على السيادة اللغوية لما لها من مكانة دينية كبيرة.

تُوصف الحالة اللغوية للعربية اليوم بالازوداجية اللغوية، وفقاً لـ فيرجيسون، للإشارة إلى اللغة المنقسمة إلى نوعين: نوع ذو قيمة عالية (الفصحى) وعادة ما تكون منطوقةً ومكتوبةً، ونوع أقلّ مستوى (العامّية)، والتي غالباً ما تكون محكيةً فقط.

يُعتَبر هذان النوعان مكمّلين لبعضهما من الناحية الوظيفية (تُستَعمل أولاهما مثلاً في المواضع الرسمية، بينما تُستعمل الثانية في الحديث اليومي). ولكن، يختلف الوضع من الناحية العملية بالنسبة إلى العربية؛ حيث يطغى استعمال العامية بشكل كبير على الفصحى التي لم تعد موجودة في وقتنا هذا إلا مكتوبةً. وإن كانت محكيّة، فهي غالباً ما تكون مجهّزة مسبقاً، إذ نادراً ما يُتحدّث بها بتلقائية وسلاسة، إلا من قبل "النخبة".

يزيد الأمور تعقيداً أن العاميّة ليست نوعاً واحداً، إنما هي لهجات متعدّدة بتعدّد البلدان العربية، ورغم أن الفصحى هي اللغة الرسمية في كل البلدان العربية (نظرياً)، ينسى الكثيرون أنها ليست اللغة الأولى لأي عربي في يومنا هذا، بل تُعتَبر اللهجة العامّية الخاصّة بكل دولة (أو كلّ منطقة) هي اللغة الأولى الي يكتسبها الطفل في المنزل، قبل أن يتعلّم الفصحى كلغة ثانية إن صح التعبير، ويُلقَّنَها في المدرسة.

ما يثير اهتمام اللسانيين والباحثين في اللغة العربية اليوم هو التنوع الهائل بين اللهجات العامية والتي تُصنَّف تقريباً إلى خمس لهجات رئيسية؛ هي: الشامية، والمصرية، والخليجية، والعراقية، والمغاربية. ومن العوامل التي تحدّد مدى اختلاف لهجة عن أخرى: التركيب النحوي، ومستوى الانتشار في العالم العربي، وعدد المتحدّثين، والتقارب اللغوي مع الفصحى، والبعد الجغرافي لكل بلد عن الآخر.

رغم أن أصل كل هذه اللهجات يعود إلى الغة العربية، إلا أن الشائع جداً أن لا يفهم متحدّثو لهجة ما لهجة البلد الآخر؛ فالمشرقي لا يفهم عادةً اللهجات المغاربية بصفة خاصة. وعلى العكس، فإن اللهجات المصرية والسورية تعتَبر متقاربة بعض الشيء ويفهم متحدّثوها بعضهم بعضاً. ولا يبدو أن هناك من يشك في أن اللهجة المصرية هي أكثر اللهجات العربية انتشاراً، بسبب اجتياح الفن المصري (المسرحي والسينمائي والتلفزيوني والغنائي) كلّ بيت عربي منذ عقود طويلة، كما أنها هي اللهجة العربية الوحيدة التي اختيرت لدبلجة أفلام كرتون تابعة لشركات عالمية مثل "والت ديزني".

يبقى السؤال .. أهي لهجات أم لغات أم ماذا؟

عادة ما يُطلَق على العامية العربية مصطلح "اللهجات". ولكن هناك نقاش قائم حالياً بين بعض علماء اللغة، من بينهم الأكاديمية المصرية ريم البسيوني، يشيرون فيه إلى احتمالية أن تُصنَّف هذه اللهجات على أنها لغات، وذلك استناداً إلى عدّة نقاط، أوّلها الاختلافات الكبيرة الموجودة بين هذه اللهجات، ما يجعل كل واحدة منها ترقى لأن تُصنَّف لغةً قائمة بذاتها.

تستدل البسيوني، لإثبات صحّة هذا الرأي، بالاختلافات الموجودة بين لغات مستقلّة (ولكن من عائلة واحدة)؛ كالألمانية والهولندية، وتشابه مستوى هذه الاختلافات مع مستوى تلك الموجودة بين اللهجات العربية المختلفة. مثال على ذلك هو التفاوت الكبير في لفظ عبارة بسيطة مثل: "كيف حالك؟" بين بعض اللهجات العربية؛ فبينما يقول المصري "إزيك"، يقول التونسي "شنو حوالك"، والخليجي "شلونك"، والشامي "كيفك" والجزائري "واش راك؟".

ليس من المتعارف عليه أن توجد كل هذه الاختلافات وعلى هذا المستوى الكبير بين لهجات اللغة الواحدة، حتى في اللغة الإنكليزية المعروفة بتعدّد لهجاتها الإقليمية في البلد الواحد (بريطانيا على وجه الخصوص). وكذلك، فإن الاختلافات الي ذُكرت هنا أكثر بكثير من تلك الموجودة بين الإنكليزية (الأميركية) والإنكليزية (البريطانية) التي يختلف الناطقون بها على نحو طفيف في اختياراتهم لبعض المفردات، و طريقة النطق، ولكنهم لا يختلفون في كلمة اعتيادية مثل: "جدّاً". بينما توجد هناك على الأقل ستّة مرادفات لها في ستّ لهجات عربية: (هلبا، أوي، بزّاف، برشا، وايد، كُلّش).

تعزو البسيوني تصنيف العامّية بأنواعها المختلفة على أنها "لهجات" وليست "لغات"، إلى ضرورة سياسية وليست لغوية. فاللغة عادة ما تكون مكتوبة، ولها مكانة سياسية وأدبية عالية، ما يجعلها مُعترفاً بها على مستوى العالم، وينطبق هذا رسمياً على اللغة العربية الفصحى وليس العامية، رغم أن التواصل بالفصحى قلّ بين العرب، وحلّت مكانها العامّية التي اكتسحت أغلب المجالات.

من بين أولئك الذين يدافعون عن مكانة وأهمية اللغة العامية (المحكية)، أيضاً، الشاعر اللبناني رفيق حنّا الذي يؤيّد فكرة تصنيف اللهجات العربية كلغات، باعتبارها لغات حية عكس العربية الفصحى الموجودة في الكتب، والتي "هجرها اللسان"، فلم تعد تُستَخدم كأداة للتواصل بين الشعوب العربية التي يمكن لمتحدّثيها مجاراة بعضهم البعض في الحديث بالاستعانة بلغاتهم المحكية، من دون اللجوء إلى الفصحى بالضرورة.

* باحثة في "اللغويات الاجتماعية"جامعة مانشستر ميتروبوليتان/ المملكة المتحدة

المساهمون