العراق.. نهاية "دولة المكونات"

29 أكتوبر 2017
الصورة
أثنت حركة عصائب أهل الحق (الشيعية)، في بيان أصدرته، بعد نجاح القوات العراقية الحكومية والجماعات غير الرسمية المتحالفة معها بدخول كركوك، على "المواقف الشجاعة لمقاتلي البشمركة الذين قدموا مصلحة العراق ومصلحة كردستان، عندما رفضوا الانجرار وراء مصالح الانفصاليين الشخصية والعائلية، والتي تخدم المشاريع الإسرائيلية التي كانت تريد استغلال الشعب الكردي وطموحاته لتقسيم العراق والمنطقة"، بحسب البيان. تبع ذلك بيان مشابه من كتلة حزب الدعوة الإسلامية في البرلمان العراقي، تضمن تطميناً لـ "الشعب الكردي بنهاية الاضطهاد البرزاني".
لا تمثل هذه اللغة قطيعةً مع الخطاب الشيعي في حقبة المعارضة، وخلال المرحلة التأسيسية للنظام السياسي لما بعد 2003 فحسب، بل هي ايضاً قطيعة مع الفلسفة التي حكمت هذا النظام. قامت تلك الفلسفة على مبدأ استقلالية "المكونات" وتمثيلها، وهو المبدأ الذي ظهر رد فعل على نموذج الدولة المركزية المتغولة ذات الهوية الأحادية التي جسّد نظام صدام حسين نموذجها الأقصى. ظهرت فكرة "المكونات" مترافقة مع مفاهيم الشراكة واللامركزية والفدرالية والديمقراطية، باعتبارها المخرج المثالي من الدكتاتورية ونزعاتها الإقصائية التي غالباً ما تماهت مع الشروخ الإثنية والدينية، لتنتج نوعاً من العصبية المهيمنة التي تتولد عنها عصبيات مناوئة، مثلت القومية الكردية والشيعية السياسية بعض تجسيداتها.
كان الافتراض الأساسي للفلسفة "المكوناتية" أن الشعب العراقي يتألف من عدة هويات،
 منفصلة بقدر ما ومتداخلة بقدر ما، وأن الدولة ما بعد الشمولية لن تسعى إلى قمع تلك الهويات وتعبيراتها، بل إلى استيعابها وتمثيلها سياسياً. لم تكن تلك الفلسفة نتاجا للتجربة العراقية السابقة وحسب، بل عبّرت عن التحول الذي كان جارياً في الفكر السياسي العالمي، منذ صعود الفلسفات ما بعد الحداثية، ومع هزيمة المعسكر الاشتراكي وانتصار الليبرالية. تم استبدال مفاهيم كلاسيكية هيمنت في المقاربات الموجهة إلى العالم الثالث خلال منتصف القرن العشرين، مثل التحديث والتنمية، بمفاهيم التمثيل والتعددية والتفاوض الهوياتي. ومن هنا، تماهت النظرة الأميركية للعراق، مجتمعا منقسما إثنياً ودينياً، مع الطابع الفئوي لدى معظم القوى المعارضة، لتشكلا معاً المبدأ المؤسس (البارادايم) للعملية السياسية التي تلت سقوط نظام صدام حسين، وهو مبدأ يقوم على الشراكة وتمثيل المكونات وتقاسم السلطة.
منذ ذلك الحين، تجذّرت عرفياً ثلاثية التقسيم السياسي: شيعي، سني، كردي، وسادت نظرة إلى سياسات بغداد، باعتبارها محط تفاعل وإدارة صراعات وعلاقات هذا الثالوث، فضلاً عن الجماعات الصغيرة الأخرى التي ألبست ثوباً أقلياتياً، كالتركمان والمسيحيين والأيزيديين، لتغدو أرقاماً مكملة في معادلات العلاقة بين قوى الثالوث المكوّناتي. غير أن مبدأ "نظام المكونات" اصطدم بمبادئ وحقائق أخرى، ووجد نفسه في صراع معها طوال السنوات التي تلت تأسيس النظام الجديد. فأولاً، اصطدم المبدأ أحياناً بفكرة السيادة، بوصفها إحدى قواعد النظام الدولي، وهي الفكرة التي تمنح الحكومة المركزية شرعية مستقلة عن إرادة المكونات، هي شرعية تمثيل الكيان الدولتي العراقي والنطق باسمه، وهي شرعيةٌ تقوّي الرصيد السياسي للطرف الممسك بالقرار في تلك الحكومة. وثانياً، تناقضت "الديمقراطية التوافقية" التي نظمت علاقات المكونات، وحرصت على إقامة الانتخابات، وتشكيل البنى المؤسساتية التمثيلية في المركز، مع غياب المؤسسات الناضجة التي تدير العلاقات داخل المكونات، تاركةً المساحة الأوسع لسياسات الأمر الواقع، كي تنظم تلك العلاقات، بحيث صار بإمكان تلك السياسات أن تهدم، من داخل المكونات، مبدأ النظام المكوناتي نفسه. وثالثاً، كان لطبيعة النظام الاقتصادي الريعي دوره في تقويض النظام المكوناتي، لأن موارد النفط التي انصبت معظمها في خزينة الحكومة الاتحادية أسهمت، من ناحية، في تقوية قدرة تلك الحكومة في أن تستقل عن علاقات المكونات، ويكون لها منطقها الخاص بها، وثانياً في تقوية إمكانات الطرف المهيمن على سلطة القرار داخل الحكومة، لكي يوجه الريع إلى خدمة أهدافه ومصالحه.
تدريجياً، أخذ نظام المكونات ينفصل أكثر عن الواقع، وشراكة المكونات عن الآليات الفعلية لاتخاذ القرار. لم تختف العصبيات طبعاً، لكن الصراع أخذ ينحو، في معظم الأحيان، منحى الصراعات الكلاسيكية لعمليات تشكل الدولة/ الأمّة، حيث تظهر عصبيةٌ غالبةٌ، تسعى إلى دحر العصبيات المتحدية احتكارها سلطة العنف "الشرعي"، ومن ثم تسعى إلى شرعنة غلبتها عبر إنتاج سردية أقل فئويةً ومستوعبة بقدر ما للتنوع، من دون أن يؤدي التنوع إلى فقدانها الغلبة. كان ظهور تنظيم داعش، وسيطرته على معظم مناطق "المكون السني" أكبر تحدٍّ يواجه الهيمنة الشيعية المتزايدة على النظام السياسي الجديد، لكنه، وللمفارقة، كان عاملاً مساعداً في تأكيد لا تقويض تلك الهيمنة، حينما سمح للشيعية السياسية بالتحوّل إلى المدافع عن الوطن ووحدته، أي بتبني خطاب الوطنية العراقية في مواجهة "الإرهاب" والقوى التي تريد تقسيم العراق. تحولت سردية المظلومية الشيعية التي سادت قبل العام 2003 إلى سردية هيمنة، قوامها "الوطنية العراقية"، بشكل يشبه السردية العروبية - السنية التي هيمنت على خطاب الوطنية العراقية في حقبة حزب البعث.
يمكن أن توضع في هذا السياق المحاولة الكردية لتحدّي بغداد وإحياء فكرة الدولة الكردية 
المستقلة. كان هناك مزيجٌ لافتٌ من التحولات في كردستان والمناطق المحاذية (يطلق عليها المناطق المتنازع عليها). فمن جهةٍ، كانت أربيل تقود، في داخل كردستان، عملية فرض هيمنة تشبه التي تقوم بها بغداد في العراق، أي تهميش خصومها الداخليين وإضعافهم، في إطار عملية فرض سلطة العصبية المهيمنة في كردستان. ومن جهة أخرى، كان الشعور يتنامى في أربيل بأن نظام المكونات لم يعد قادراً على الصمود، وأنه بهزيمة "داعش"، تلاشى الكيان الفاصل بين بغداد وكردستان، وما لم يؤسس الكرد ويوطدوا حدود كيانهم واستقلاليته، فإنهم سيكونون الهدف التالي لنزعة الهيمنة "الوطنية" المندفعة بلون شيعي- طاغ هذه المرة. ولكن حسابات أربيل اصطدمت بواقع جيوسياسي غير مواتٍ، حيث المعارضة القوية من الدول الإقليمية، ومن الولايات المتحدة، لفكرة الانفصال أو توقيته، ووضع داخلي صعب تحديداً، لأن أربيل ذهبت إلى الاستفتاء، قبل أن توطد هيمنتها الداخلية، بل وأرادت من الاستفتاء أن يكون محاولة لتوطيد تلك الهيمنة على القرار الكردي، فجاء رد الفعل من بغداد وطهران وأنقرة ليشجع القوى الكردية الأخرى، لمقاومة تلك الهيمنة، وفتح ثغرة في الجدار الكردي.
ما يظهر الآن على أطلال نظام المكونات وضع جديد، هو استكمال لصيرورة بدأت بخط موازٍ مع مبدأ المكونات، وتخطّته لصالح توطيد الهيمنة الشيعية على السلطة في بغداد، وإحياء الوطنية العراقية ذات المركزية الشيعية بديلا عن التقسيم المكوناتي الذي غابت عنه تلك الهوية. لا يعني ذلك نهاية للصراع، بل الانتقال إلى مرحلة جديدة، تتعلق بتكريس الوضع الآخذ بالتشكل، ثم شرعنته. ويبدو أن الصراع الشيعي- الشيعي هو الذي سيحسم اتجاهات هذه الصيرورة، فالتحالف الذي فرضته الحرب مع "داعش" والتمرّد السني، بين "مذهبية شيعية عابرة للحدود" وشيعية عراقوية، يمكن أن يتفكّك مع سعي الاتجاه الثاني إلى تأكيد سلطة الدولة، ومعها خاصيته "العراقية" على حساب هويته "الشيعية"، وسيلتقي ذلك، في الغالب، مع أهداف الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، لإقامة الاستقرار في العراق، والتصدّي للنفوذ الإيراني. أمّا فشل التيار الشيعي "العراقوي" في هذا التحدّي، فسيفسح المجال لغلبة التيار الأكثر مذهبيةً، وبالتالي إضعاف إمكانية "شرعنة" الوطنية العراقية ذات المركزية الشيعية، ويزرع بذور تمرّدات مستقبلية، تأخذ شكل التحدي الطائفي، أو الإثني، إن تغيرت معادلات القوة في المستقبل.

دلالات

7734C531-D448-4A6E-B8D1-D159DCD3ECC4
حارث حسن