العراق.. الشعب الحي والرصاص الميت

07 أكتوبر 2019
الصورة
حتى بالمقاييس العراقية، كان العنف المفرط الذي استخدمته السلطات العراقية في تعاملها مع التظاهرات السلمية التي تجتاح العراق صادما، فمنذ انطلاق التظاهرات، في اليوم الأول من شهر أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، استخدمت قوات الأمن الرصاص الحي وأدوات القمع الأخرى ضد المتظاهرين العزّل. وبينما يستمر العنف، قتل عشرات وجرح آلاف وتم اعتقال المئات، ليصل النظام السياسي الذي قام بعد عام 2003 في العراق، وينادي المتظاهرون بسقوطه، إلى أزمة مشروعية، هي الكبرى في علاقته مع الشعب.
لم يكن أحد يتوقع أن تكون تظاهرات العراق التي دعا إليها ناشطون ومواطنون عاديون كبيرة ودامية بهذا الشكل، فقبل أيام فقط، بدا أن الأمور هادئة بالمقاييس العراقية، فقد تجاوز العراق مراحل من التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، ولم يتحوّل ساحة مفتوحة للصراع بينهما. كما كاد موسم الصيف الذي ترتفع فيه الحرارة إلى الخمسين درجة مئوية ينتهي، وينتهي معه موسم التظاهرات التي خرجت في السنوات الماضية متأثرة بسوء تجهيز خدمات التيار الكهربائي والماء. كما كان الوضع في بغداد تحديدا يسير نحو شيءٍ من التحسّن النسبي، بعد أن فتحت حكومة رئيس الوزراء، عادل عبدالمهدي، المنطقة الخضراء، وأزالت نقاط تفتيش كثيرة في أنحاء مختلفة من بغداد، ما سهل تنقل سكان المدينة وأشاع قدرا من مظاهر الحياة الطبيعية. ولكن النار كانت دائما تحت الرماد، حيث بقيت نقاط الخلل الرئيسية من غير حل، فالمحاصصة الطائفية هي قانون اللعبة السياسية، بينما الفساد يستشري في كل أركان الجهاز الحكومي، لا 
تواجهه سوى شعارات حكومة عبدالمهدي ووعودها بمكافحته. كما تفيد المنظمات الدولية بأن ربع السكان يعيشون تحت خط الفقر ويعتقد العراقيون أن النسبة أكبر من ذلك. كذلك بقيت معظم المناطق التي تمت استعادتها من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من غير إعمار أو تطبيع للأوضاع، في ظل تصاعد في قوة المجاميع المسلحة المدعومة من إيران وهيمنتها، في إطار "الحشد الشعبي". أما البطالة، وخصوصا في أوساط الشباب، فتتجاوز 25%، وكانت دائما قنبلة موقوتة، جاهزة للانفجار في أي لحظة.
وقد جاءت تلك اللحظة في الأول أكتوبر/ تشرين الأول، بعد أيام من الدعوات على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى التظاهر من ناشطين وأشخاص عاديين، وبعيدا عن أي تدخل من أي قوة سياسية. كانت تلك النقطة تحديدا مقلقة جدا للطبقة السياسية العراقية، ولعلها كانت خلف قرار السلطات العراقية في استخدام العنف المفرط والوحشي، منذ الساعات الأولى للتظاهرات، لكن ذلك العنف لم يوقف التظاهرات، بل قد يكون ساهم في رفع روح التحدي التي جعلتها أكبر وأكثر انتشارا.
لم تكن التظاهرات مقلقة فقط لحكومة عبد المهدي، وإنما أيضا لكل الأحزاب والقوى المتحكمة في العراق، فقد هتف المتظاهرون، منذ التظاهرة الأولى في ساحة التحرير وسط بغداد، بشعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، فيما واجهتهم قوات الأمن بإطلاق الرصاص الحي، ليبدأ عداد الضحايا بالتصاعد، مع انتشار التظاهرات إلى مدن الجنوب العراقي، حيث معظم السكان من المسلمين الشيعة الذين تدّعي الأحزاب الشيعية المسيطرة على الحكم في العراق تمثيلهم. كان خطاب رئيس الوزراء عبد المهدي الذي تم بثه في الثانية صباح يوم الجمعة بتوقيت بغداد مخيبا لآمال المتظاهرين، فلا هو أعلن استقالته ولا قدّم خطة حل ترضي الجماهير الغاضبة. كما جاءت خطبة صلاة يوم الجمعة من ممثل المرجع، علي السيستاني، بصيغة تؤيد التظاهرات، لكنها طالبت الحكومة والنظام السياسي بالإصلاح قبل فوات الأوان.
بدأ العراقيون بالتظاهر منذ العام 2011 متأثرين بموجة الثورات الشعبية التي أسقطت أنظمة عربية، فالعراق وعلى الرغم من التغييرات العميقة فيه بعد الاحتلال الأميركي له عام 2003، بلد عربي يتأثر شعبه بما يحصل في البلدان العربية، ووجود الكرد والقوميات الأخرى لا يؤثر على ذلك. ولكن منذ البداية كان هناك عائقان يعرقلان عملية الحراك الشعبي ويعقدانها، المسألة الطائفية والنظام السياسي القائم الذي يدّعي كونه ديمقراطيا. جاءت تظاهرات أكتوبر الحالية لتُسقط هذين العائقين، فتظاهرات بغداد ضمّت عراقيين من مختلف الانتماءات، ورددت مطالب بالإصلاح، يريدها عراقيون من كل الانتماءات، يشعرون بالاغتراب والتهميش مع نظام سياسي لم يقدّم لهم حياة كريمة، في بلد يملك ثروات كبيرة. أما النظام السياسي فقد بات في أزمة مشروعية حقيقية، مع استخدامه الرصاص الحي مع المتظاهرين العزّل، ومع حديثه عن وجود مؤامرة ومندسّين بين المتظاهرين في تذكيرٍ بتعامل الأنظمة العربية المتسلطة مع الثورات الشعبية ضدها. لم يستطع ذلك الرصاص الحي الذي تلقّته صدور المحتجين قتل التظاهرات ومطالبها، لكنه قد يكون سجل موت آخر ادعاءات المشروعية والديمقراطية في النظام الطائفي. لم يتمكّن القمع من إنهاء التظاهرات، وحتى إن تمكّن في النهاية، فإن صرخات "الشعب يريد إسقاط النظام" المعمدة بدم المتظاهرين في بغداد والمدن العراقية الأخرى لن تنسى.