العراقيون الذين تُركوا.. لمصيرهم

13 أكتوبر 2019
الصورة
هو العراق المنهوب والجريح في طريقه إلى أن يتحول إلى الصيغة الإيرانية، أم هو العراق العربي، والعصيّ، كما وصفه يوما الحجاج بن يوسف؟ كلفت انتفاضة الأسبوع الماضي العراقيين أكثر من مائة قتيل وستة آلاف جريح. هل فجّرتها الأزمة الداخلية التي تجسّدها طبقة سياسية فاسدة وفاشلة، أم خارجية نتيجة تضخم حجم نفوذ الجار الإيراني؟ عراق الخير وبلاد ما بين النهرين والثروات الطبيعية والنفط، يعاني من أزمة خانقة متعدّدة الأوجه، سيادية واقتصادية - اجتماعية، وفي تموضعها الإقليمي. عصب تظاهرات الأيام الماضية هم بنسبة 90% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و22 سنة. أي أنهم وُلدوا مع الحكم الجديد الذي نشأ عام 2003 على إثر سقوط صدّام حسين بعد الغزو الأميركي للعراق. إذا كان هؤلاء لا يعرفون صدّام، وهم اليوم، بحسب دراسة البنك الدولي، بنسبة 25%، عاطلون عن العمل، كما أن نحو ربع السكان، أي أكثر من تسعة ملايين شخص، يعيشون تحت خط الفقر، فيما يمتلك العراق ربع احتياط النفط العالمي، وقد بلغ دخله السنوي في وقت من الأوقات 150 مليار دولار. 
كان من المفترض أن تتم إعادة الإعمار خلال مهلةٍ لا تتعدى الخمس سنوات، وأن لا تتجاوز الكلفة أكثر من مائة مليار دولار، لولا مئات المليارات التي اختلسها النافذون الذين وصل بعضهم على الدبابة الأميركية، وخرج معظمهم من حضن ملالي إيران، ولاحقا خلال حرب "داعش" وبعدها. وقد أدّى تلزيم البلد بعد عام 2003 للأميركيين وشركاتهم، إلى وضع اليد على صفقات وخيراتٍ عديدة، ثم أخليت الساحة للإيرانيين الذين عاثوا في "أرض السواد" فسادا، وأطلقوا
العنان للنهب المنظم على غير مستوى، منذ قرار الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، بالانسحاب. وبحسب ما رصدته منظمة الشفافية العالمية في ما يخص الفساد في تقرير عام 2018، احتل العراق المرتبة 169 من أصل 180 دولة. كانوا مرتزقة عند الأميركان والإنكليز فصاروا هم أنفسهم مرتزقة عند إيران، ممن عبثوا ويعبثون بالعراق وبثرواته، فأصبح بلد النفط بلا كهرباء، وبلد ما بين النهرين العظيمين بلا ماء صالح للاستخدام البشري (عام 2018 أعلنت المفوضية العليا المستقلة لحقوق الإنسان في العراق أن إصابات التسمم جرّاء تلوث المياه بين السكان في محافظة البصرة بلغت 111 ألفاً)، وبلد شريعة حمورابي بلا منظومة تعليم، وصار الناس يموتون من قلة الدواء وسوء الاستشفاء. ففي العشر سنوات الأخيرة، خسر العراق نحو 80% من المياه المتدفقة من إيران التي قطعت 35 رافدا رئيسيا عن العراق. كما حولت مسار أهم رافدين، الوند والكارون، ما أضر بمساحات زراعية شاسعة في البصرة (جنوب) وواسط (جنوب شرق) وديالى (شمال شرق). ويؤكد مجلس محافظة واسط أن "الإيرانيين يماطلون في المفاوضات ويتحججون بالجفاف وقلّة الأمطار، أما التنسيق فمجرد وعود لا تطبّق في الواقع".
يقول رئيس الحكومة العراقية، عادل عبد المهدي، إن 90% من المظاهرات صحيحة ومطالبها مشروعة، ولا يجد حرجا في الاعتراف "باحتمال وجود مندسّين بين صفوف القوات الأمنية وليس فقط بين المتظاهرين، ذلك أن قواتنا لا تزال تتضمن أناسا ربما لا يؤمنون بالوضع الحالي، لسبب أو لآخر. وبالتالي، هناك من يريد إسالة دم في هذه المظاهرات، وهو ما أدى إلى أن تأخذ المظاهرات مساراتٍ أخرى أدت إلى وقوع كل هذه الأعداد من الضحايا". وفيما يخص الحديث عن "المؤامرة"، وما إذا كان هناك طرف خارجي فيها، دولة أم دول أم جهات، قال عبد المهدي إن "العراق يعيش وسط منطقة ملتهبة، وهناك صراع أضداد، ولا بد من تحديد الخيارات مع من أو ضد من. وبالتالي، فإننا ندفع فاتورة صراع الأضداد، علما أن الجميع بات يدرك أن موقفنا متوازن من الأزمة التي تعيشها المنطقة حاليا". ولكن عبد المهدي قال، في ثالث أيام التظاهر الذي استمر أسبوعاً: "صوتكم مسموع قبل أن تتظاهروا، ومطالبكم بمحاربة الفساد والإصلاح الشامل هي مطالب محقة"، فماذا فعل؟ أعلن قرارات هزيلة من 17 بندا، أبرزها تسهيل الحصول على أراض سكنية، وبناء وحدات جديدة وصفت بأنها باب للتوزيع على الأزلام 
والمحاسيب. إضافة إلى منح 175 ألف دينار (نحو 145 دولاراً) شهرياً للعاطلين عن العمل ثلاثة أشهر، وبعدها ماذا يفعلون؟ وعلى الرغم من ضآلة المبلغ، إلا أن كلفته باهظة، نظرا إلى ارتفاع عدد العاطلين عن العمل، خصوصا أن الموازنة العامة للسنة الحالية 2019 تعاني عجزا، كما أقرت بأنه يبلغ 23 مليار دولار. وتقرّر اعتبار ضحايا التظاهرات "شهداء"، ومنح عائلاتهم الامتيازات التي تعطى للشهداء! ولكن السؤال الأهم: من قتل هؤلاء؟ وأخيراً تقرّر فتح باب التطوّع للجيش، وإعادة الذين فُسخت عقودهم بعد اجتياح تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014.
أكدت الانتفاضة أخيرا أن من يتصدى للنفوذ الايراني هم العراقيون الشيعة، ومن يصرخ "إيران برا برا برا" منذ سنوات هم هؤلاء، وليس العراقيون السنة الذين يخافون أن يوصموا بالإرهاب أو بالانتماء إلى تنظيم داعش. وأثبتت الأزمة أن الصراع بين شيعة العراق وشيعة إيران يعكس عداء تاريخيا بين الشيعة العرب والشيعة الفرس، كما يعكس الصراع شبه الدائم بين أنظمة الحكم التي تتالت على العراق وعلى إيران، سواء في زمن الشاه محمد رضا بهلوي، أو منذ انتصار ثورة الخميني عام 1979 وما زال مستمرا، فالتشيع العراقي عربي منذ فجر الإسلام، وهو يعكس كذلك صراعا حول المرجعيات، إذ يشكل النجف المرجعية الأساس والأولى على الدوام لكل الشيعة، ومرجعية قم الإيرانية مستجدّة مع الحكم الملالي. وكل المرجعيات الدينية من الخوئي إلى الحكيم والصدر، وغيرها عراقية وعربية. والسيستاني اليوم يعارض نظرية ولاية الفقيه، وكذلك كان اللبناني محمد حسين فضل الله.
التحدّي الذي تواجهه إيران في العراق اليوم هو الأشد والأصعب منه في كل الساحات العربية التي تمارس طهران نفوذها وتمدّدها فيها، من اليمن إلى لبنان. هو تحدّ مزدوج، سياسي وديني، وربما أكثر، لأنه تحديدا تحدٍّ شيعي - شيعي، ولأن الشيعة يشكلون الأكثرية في العراق، ولأنهم ليسوا بالتالي تيارا واحدا أو كتلة واحدة، وإنما هم أطراف متعدّدة، لكل منها مواقفه وحساباته وعنفوانه القومي، وكذلك رفضها أن تكون تابعة لمن كانت هي مرجعيته التاريخية والدينية.
قال الحجاج يوما عن نفسه: "أنا رجلٌ لجوجٌ لدودٌ حقودٌ حسود". وتوجّه، في خطبته الشهيرة، إلى العراقيين: "والله، يا أهل العراق، إني لأرى رؤوساً قد أينعت، وحان قطافها، وإني لصاحبها. والله لكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى (...)، يا أهل العراق، يا معدن النفاق والشقاق ومساوئ الأخلاق، إنكم طالما أوضعتم في الفتنة...". تمرّد ذاك العراق على العثمانيين والإنكليز، وقاتل الفرس وهزمهم مراراً!