العام الذهبي لمنع الكتب والأفلام والمبدعين

29 ديسمبر 2014
الصورة
حازم مهدي/ مصر
+ الخط -

لا يمكن النظر إلى المشهد الثقافي المصري خلال عام 2014 بعيداً عن حالة التخبّط السياسي التي شهدتها مصر خلال سنوات الثورة الأربع، وخصوصاً بعد أحداث 30 حزيران/ يونيو، التي قسمت الشارع المصري إلى مؤيد للسلطة الجديدة ومعارض لها، وانقسم المثقفون أيضاً، فانعكس ذلك على الحياة الثقافية.

حين نتابع أغلب الفعاليات الثقافية التي أقامتها المؤسسات الرسمية خلال عام 2014، سنجد أنها جاءت تحت شعار المبادرة التي أطلقها النظام المصري الجديد، "تحيا مصر". إذ نظمت فعاليات ثقافية في إطار دعم ما يسمى بـ"خارطة الطريق" التي وضعها النظام الجديد/ القديم. في المقابل، كانت هناك عدة محاولات للتغريد خارج سرب الثقافة السائدة، لكنها لم تسلم من تضييق النظام، الذي انتهج سياسة الرأي الواحد.

لأجل ذلك، يبدو من الصعب أن نفصل السياسي عن الثقافي في ظل الأجواء القمعية التي تعيشها مصر، وخصوصاً بعدما شملت عمليات التضييق كلّ من لم يبارك سياسات النظام الحالي، مثلما حدث مع أبرز فعالية ثقافية شهدتها مصر منذ "ثورة يناير"، أي "الفن ميدان" الذي يُقام في "ميدان عابدين" وسط القاهرة وبعض المحافظات الأخرى، لتقديم الفنون في الشوارع بلا حواجز. قامت الشرطة المصرية بعدة محاولات لوقف أنشطتها في القاهرة، مرة بدعوى عدم حصول منظميها على تصريح، ومرة أخرى لـ "دواعٍ أمنية".

في مثل هذا الإطار تمت محاصرة عدة مؤسسات ثقافية مستقلة، بهدف إحكام القبضة عليها. وبعد التعديلات التي أجراها النظام على قانون الجمعيات الأهلية، أعلنت مؤسسة "المورد الثقافي" وقف أنشطتها، فيما انكمش نشاط مؤسسات أخرى. ولا يخفى على أحد الدور الذي باتت تلعبه منظمات المجتمع المدني (معظمها يعتمد على التمويل الأجنبي) في الثقافة المصرية بعدما اقتصر دور المؤسسة الثقافية الرسمية على خدمة السلطة بدلاً من خدمة الحياة الثقافية.

ورغم أن وزير الثقافة جابر عصفور كثيراً ما يُذكّر في لقاءاته الإعلامية بحرية الإبداع في عهده، إلا أن الواقع يقول عكس ذلك. إذ لم يتوقف عمل جهاز الرقابة، فعلى سبيل المثال منعت الرقابة ثلاثة كتب إبداعية وفكرية من إصدارات "دار التنوير"، أثناء دخولها مصر بعد طباعتها في بيروت: رواية "المبرومة" للبناني ربيع جابر، و"مدخل إلى السيموطيقا" للمفكر نصر حامد أبو زيد، و"في مدح الحب" للفيلسوف الفرنسي آلان باديو. كما سُحِب ديوان "تلاوة في كتاب السامري" الصادر عن "الهيئة العامة لقصور الثقافة" لشاعر العامية محمد مجدي، لمدة شهر، بدعوى تناصه مع المقدس الديني بشكل غير لائق.

وقد وصل الأمر إلى حدّ إحراق السلطة 36 كتاباً في "مكتبة مصر العامة" في الغردقة، بدعوى ترويج تلك الكتب لفكر "جماعة الإخوان المحظورة". ولم يتوقف الأمر عند الكتب والكُتَّاب فقط (لم يزل الشاعر والروائي السكندري عمر حاذق قابعاً خلف القضبان على إثر مشاركته في وقفة احتجاجية ضد قتلة الشاب السكندري خالد سعيد) بل شمل أيضاً الأعمال الدرامية والبرامج التلفزيونية والأغاني.

هكذا، تم منع عرض مسلسل "أهل اسكندرية" للكاتب والسيناريست بلال فضل، الذي يتناول فساد الشرطة في مرحلة ما قبل "ثورة يناير"، كما تم وقف بثّ برنامج "البرنامج" للإعلامي الساخر باسم يوسف، وأخيراً مُنِع بثّ أغاني الفنان حمزة نمرة على جميع شبكات الإذاعة المصرية.

ولم تمنع الأحداث التي شهدتها مصر خلال 2014 من إقامة فعاليات بارزة. فعلى مستوى الفن الرابع، أقيمت الدورة السابعة من "المهرجان القومي للمسرح"، بمشاركة 42 عرضاً مسرحياً. لكن أهم ما يلاحظ على مثل هذه المهرجانات تدني تمثيل الشباب المسرحيين المستقلين، إلى جانب ذهاب معظم جوائز المهرجان إلى "البيت الفني للمسرح" الذي يترأسه فتوح أحمد مدير المهرجان.

مثل هذه الأسباب هي التي جعلت كثيراً من شباب المسرح المستقل يفقدون الثقة تماماً في المؤسسات الرسمية، وهو ما دفع أحدهم، المسرحي الشاب علي قنديل، مدير فرقة "مصر 2 راكب"، إلى إطلاق حملة واسعة على صفحات التواصل الاجتماعي تحت عنوان "عايز مسرح" للمطالبة بتسليمه أي مسرح "مهجور" من مسارح الدولة في القاهرة لتقديم عروضهم المختلفة، بعيداً عن بيروقراطية تلك المؤسسات.

على صعيد السينما، فإلى جانب الأفلام التجارية التي تعرف بها مصر منذ سنوات، ما زالت محاولات السينما المستقلة مستمرة. وفي هذا السياق يأتي فيلم "فتاة المصنع" لمحمد خان، العائد بعد غياب سبع سنوات، وفيلم "ديكور" لأحمد عبدالله، و"باب الوداع" لكريم حنفي. كما يعود أيضاً المخرج داود عبد السيد بفيلم "قدرات غير عادية" بعد غياب أربع سنوات من فيلمه الأخير "رسائل البحر". ومن المفترض أن يُعرض في منتصف يناير/ كانون الثاني المقبل فيلم "القط" للمخرج إبراهيم البطوط. والجدير ذكره عودة "مهرجان القاهرة السينمائي" هذا العام، بعد توقفه العام الماضي.

وقد تم منع المخرج السوري محمد ملص من دخول مصر مرتين خلال عام 2014، الأولى بعد محاولة صاحب "أحلام المدينة" دخول البلد ليرأس لجنة تحكيم فعاليات "مهرجان الإسماعيلية للأفلام القصيرة والتسجيلية"، والثانية عندما كان من المفترض مجيئه للتكريم في "مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي".

لم يخل هذا العام، أيضاً، من الإصدارات الإبداعية المتميزة، وخصوصاً في صفوف الروائيين الشباب. ويلاحظ حضور "ثورة يناير" في بعض هذه الأعمال، سواء بشكل مباشر مثل رواية "عُطارد" لمحمد ربيع، الصادرة أخيراً عن "دار التنوير"، وهي أقرب للفانتازيا السياسية التي تتماس مع الراهن السياسي المصري بعد انتصار الثورة المضادة، وتحمل رؤية مستقبلية مفزعة بتصور احتلال مصر عام 2025 وقبول المصريين لذلك الاحتلال. أو بشكل غير مباشر، مثل رواية "جبل الزمرد" لمنصورة عز الدين، التي اشتبكت مع حكايات "ألف ليلة وليلة"، وجعلت "ثورة يناير" خلفية فقط لأحداث روايتها الواقعة ما بين القاهرة وإيران.