الطيب تيزيني.. في معترك الجدليات

19 مايو 2019
الصورة
(الطيب تيزيني في تونس، نوفمبر/ تشرين الثاني 2016)
+ الخط -

كان الطيب تيزيني من بين الأوائل الذين جعلوا من التراث العربي-الإسلامي، في امتداده الكلّي، موضوعَ بحثٍ نقدي، استحضرَه لا باعتباره ذاكرةً سلطوية ولا كنزاً من الماضي مقدساً، بل شيّده موضوعَ نقدٍ وقاربه من زاوية صراعات التاريخ لا عبر أسرار الغيب.

ففي الوقت الذي ضخّم فيه الخطاب السلفيّ هذا الماضي، وأقامه مرجعاً وحيداً للحقيقة كلها، وفي الوقت الذي هَدمه التغريبيون وشوّهوا طبيعته عبر إسقاط مفاهيم العلوم الإنسانية، مع أنها لم تنضج وقتها ولم تكتمل، أجرى صاحب "مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط" قطيعةً معرفية مع هذه القراءة التمجيديّة للتراث، وكذلك القراءات الاستشراقية والتغريبية. وكان رهانه الأهم إرساء منهجٍ "علمي" بآلياتٍ بحثٍ واضحة.

استندت قراءته، التي لم يَفتُر عن عدّها مشروعاً، إلى تطبيق المنهج الجدلي، بصيغته الماركسية، على علاقات النصوص المتشابكة بسياقها الاجتماعي - التاريخي، بناءً على "منطق مرئيّ في التاريخ وتاريخٍ جليِّ في المَنطق". فانصبّت دراساتُه على الفكر الفلسفي - المادي لدى الفلاسفة العرب الإسلاميين في العصر الوسيط في صلاته المعقّدة بالفكر الإغريقي، تأثراً وتجاوزاً.

كما اجتهد في تدبير العلاقات بين مختلف "الأنساق" التي يتألف منها هذا الإرثُ، ولا سيما الدين والفلسفة، وهما نظامان من نِتاج العقل في الواقع، ولكلّ منهما منطقٌ خاصٌ.

في رحلته النقدية الطويلة، اجترح المفكر السوري خطاباً جديداً، بمعجمٍ فلسفي يكثرُ فيه التوليد الاصطلاحيّ والاستحداث. وهذا الجانب من عمله غمطَه كثيرون.

وبنفس منهج زميله حسين مُروة (1910-1980)، أثرى رصيدَ اللغة العربية المعاصرة بمفرداتٍ عديدة، تحيل على الفلسفة المادية ومنهجها الجدلي ومنهما تنحدر. إذ تمثل كُتبَه مُدوّنة متكاملة، استخدم فيها عشرات المصطلحات الماركسية والجدلية ووسّع مدى حقولها الدلالية، ما سهّل للباحثين التعامل بهذه المفهومات وتوظيفها واستيعابها، مع أنها جديدة على الضاد. ويمثل هذا المجهود التوليدي تطويراً فعليّاً للمسارات الدلالية للعديد من الكلمات مثل: إنتاج، إنتاجية، بِنية، نظام (...).

لقد كان الفكر الماركسي بتعبيراته المعجمية، لحظة فارقةً في مسار الضاد الحديث والمعاصر. وهو الذي سمح بفتح عشرات المفردات على أُفق الفلسفات المادية، ومَكّن من الدلالة على ما فيها من مبادئ التحليل الجدلي ومفاهيم البحث التاريخي - المادي. ومن اللافت أنَّ اختياراته المُصطلحيّة وترجماته، وكانت عن الإنكليزية والألمانية، في جملتها أثيلةٌ فصيحةٌ، تَجنبت الاقتراض المبالغ فيه، والنحتَ المُتَعسّف. كان أسلوبه، وهو يقارع التراث في تضاريسه المترامية، واضحاً نقدياً، دقيقاً، معاصراً، تَجرَّد خلاله من ثقل الإنشاء، واجتهد في عكس الواقع على تَعقُّده وتكلّسه. خطابٌ ناصعٌ عن صراعات لا تنتهي.

كان مسار تيزيني "ثورة" على إرثه الفكري الشخصي أيضاً. غذّاه تساؤلٌ مستمرٌّ عن التماسك ضمن سياق العولمة والاستهلاكية المتوحشة، التي تَلتهم العقل "بوتائر متسارعة" والصورة من بنات أفكاره. مع ذلك، جَاراها "فيلسوف التراث" وشذّب ما فيها من "مثالية" و"تَعالٍ"، ولا سيما في ظلّ الحرب السورية... في سنواتها المظلمة، تأكدت الحتمية التاريخية لإعادة التنظير لا فقط للثورة أو التراث، بل أساساً لـ"الجهل المقدس".

المساهمون